الشيخ عبد الغني النابلسي

104

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

اللّه تعالى . وأما العالم الذي يعرفه الجاهل ، فإنه حادث مترتب بعضه على بعض ، وفيه التقديم والتأخير ، وهو موجود مع اللّه تعالى وجودا آخرا غير وجود اللّه تعالى ، وذلك حقيقة جهل الجاهل رآها في مرآة حقيقة العالم ، فانحجب بها عن حقيقة العالم ثم قال : ( خذوا ) ، أي تناولوا بأيدي أذواقكم ( ما ) ، أي الذي ( قلته ) في الكلام من الحق المبين عند أهله ( عني ) واللّه يتولى هدى من أراد بمحض فضله . * * * فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم أعني صورته الظاهرة . وقد علمت نشأة روح أدم أعني صورته الباطنة ، فهو الحقّ الخلق . وقد علمت نشأة رتبته وهي المجموع الّذي به استحقّ الخلافة . فآدم هو النّفس الواحدة الّتي خلق منها هذا النّوع الإنساني . وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] . فقوله : اتّقوا ربّكم اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربّكم واجعلوا ما بطن منكم وهو ربّكم وقاية لكم فإنّ الأمر ذمّ وحمد فكونوا وقايته في الذمّ واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين . ثمّ إنّه تعالى أطلعه على ما أودع فيه وجعل ذلك في قبضتيه : القبضة الواحدة فيها العالم ، وفي القبضة الأخرى آدم وبنوه وبيّن مراتبهم فيه . ( فقد علمت ) مما ذكرناه يا أيها المريد ( حكمة نشأة جسد آدم ) عليه السلام ( أعني صورته الظاهرة وقد علمت ) أيضا حكمة ( نشأة روح آدم ) عليه السلام ( أعني صورته الباطنة فهو ) ، أي آدم عليه السلام حيث جمع بين صورة الحق تعالى بباطنه وصورة العالم بظاهره ( الحق ) من حيث الباطن على التنزيه ( الخلق ) من حيث الظاهر على التشبيه ( وقد علمت ) أيضا نشأة ( رتبته ) ، أي آدم عليه السلام ( وهي المجموع ) له فيها بين اليدين الإلهيتين ( الذي به ) ، أي بذلك المجموع ( استحق الخلافة ) عن الحق تعالى في الأرض ( فآدم ) عليه السلام ( هو النفس الواحدة ) ، أي المنفردة بالكمال الإنساني دون نفوس بقية العالم كله ( التي خلق ) بالبناء للمفعول ، أي خلق اللّه تعالى ( منها ) جميع أشخاص ( هذا النوع الإنساني ) كلهم ( وهو ) ، أي ما ذكرناه ( قوله تعالى ) في القرآن العظيم ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) الخطاب للمؤمن والكافر والمنافق ( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) بالإحسان والإيمان والإخلاص ( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) قدركم ثم أوجدكم طبق ما