مجموعة مؤلفين

43

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال

الآية الثانية في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا * قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا إلى قوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [ مريم : 16 : 25 ] . ويتم الغرض المطلوب في شرح هذه الآية لورودها في معرض المدح والثناء باستحقاق هذه الكرامة ، وذلك أن زكريا عليه السلام ، لما بنى لها المحراب ، وغلق عليها الأبواب ، أداها العمل ، لما بلغ القضاء المؤجل فتمنت خلوة نحو الجبل ؛ كي تفلي فيها رأسها محجوبة عن أناسها ، فانفرج لها السقف ؛ إكراما لما تمنته ، والمحراب مقفول الأبواب كما علمته ، وذلك في يوم شديد البرد ، فجلست في مشرقة من الشمس . وقيل : إنما كان خروجها لحيض أصابها فخرجت في شرقي المحراب . وقيل : معنى شرقيّا : شاسعا . وقيل : مكانا مما يلي المشرق من مساكن أهلها ، وكانوا يعظمون جهة المشرق ؛ لأنها منبع الأنوار ، وهي أفضل الجهات ، قاله الطبري . وقال ابن عباس : فأظلها اللّه تعالى ، وجعل لها حجابا وسترا يسترها عن الناس ، فلما أتى زكرياء لم يجدها في البيت ، فبينما هي جالسة أتاها جبريل عليه السلام في أحسن صورة البشر ، وكان عمرها أربع عشرة سنة ، وقيل : ثلاث عشرة سنة . فلما رأته قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا فكان من قصتها ما ذكر اللّه تعالى من حملها ، فاعتزلت به مكانا قصيّا : أي بعيدا وهو أقصى الوادي ، ويسمى الآن بيت لحم ، فصعدت على أكمة وعليها جذع نخلة يابس ليس له سعف ، فاستندت إليه عندما جاءها المخاض ، وهي جازعة مشفقة من مقالة الناس فقالت : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] ، فناداها جبريل عليه السلام من تحت الأكمة : أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [ مريم : 24 ] ، وهو النهر الصغير على أحوط الأقوال ، ثم أمرها بهزّ