مجموعة مؤلفين
33
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال
الفرع الأول : فيما تكلمت به الأئمة واختلفت فيه الأمة ، وهي معجزات الأنبياء - عليهم السّلام - كانشقاق القمر ، وانفلاق البحر ، وقلب العصا ، وتسبيح الحصى ، واستدعاء الرمة فتقوم صحيحة ، ودعاء الميتة فتجيب فصيحة ، وجميع آياتهم العظيمة ومعجزاتهم الكريمة ، هل يقع ذلك كرامة للأولياء وحلية للأصفياء ؟ ! فمنعه قوم لما يستلزمه عندهم من تكذيب النبي القائل في تحديه : « لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به » . ورد هذا القول بأنه لا خلاف بين الأئمة أن الشيء الواحد من خوارق العادة يجوز أن يكون معجزة لنبيّ بعد نبيّ ، ولا يكون وقوعه ثانيا تكذيبا للأول ، وأجابوا عن هذا الرد بجواز أن يكون الأول قد قيد دعواه بقوله : « لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به إلا نبيّ صادق في دعواه » . ورد هذا بما يعارضه من جواز تقييد دعواه بعد تسليم جواز التقييد في دعوى النبوة ، أن يقول : لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به إذا كان متمنيا أو مفتريا أو من يريد بذلك تكذيبي ، وحينئذ تخرج الكرامات من هذا التقييد ، وليس تقييد أولى من تقييد . وقال أبو بكر بن فورك : خوارق العادات دلالة الصدق ، فإن ادعى صاحبها النبوة فهي تدل على صدقه ، وتسمى معجزة ، وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت على صدقه في حالته ، وتسمى عند ذلك كرامة ، ولا تسمى معجزة ، وإن كانت من جنس المعجزات للفرق بينهما . قال الإمام نجم الدين عمر النسفي في « عقائده » : وكرامات الأولياء حقّ ، فتظهر الكرامة على طريق تقفّي العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة ، وظهور الطعام ، واللباس ، والشراب ، والمشي على الماء وفي الهواء ، وكلام الجماد ، والعجماء وغير ذلك من الأشياء ، ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته ؛ لأنه يظهر بها أنه وليّ ، ولن يكون وليّا إلا وأن يكون محقّا في ديانته ، وديانته الإقرار برسالة رسوله مع الطاعة له في أوامره ونواهيه .