مجموعة مؤلفين
19
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال
ولذلك قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : علمنا هذا مشيّد بالكتاب والسنّة « 1 » . ردّا على من توهّم خروجه عنها في ذلك الزمن أو غيره ، وما بلغنا قطّ عن أحد من القوم أنه نهى أحدا عن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج أبدا ، ولا تعرّض لمعارضة شيء من الشرع ، وكيف يترك الولي ما كان سببا لوصوله إلى حضرة ربّه ؟ وإنما يحثّ الناس على الإكثار من أسباب الوصول ، فما بقي وجه الإنكار إلا على مواجيدهم وأفهامهم ، وتلك أمور لا تعارض شيئا من صريح السنّة . والأمر في ذلك سهل ، فمن شاء فليصدّقهم ، ويقتد بهم كمقلدي المذاهب ، ومن شاء فليسكت ولا ينكر ؛ لأنهم مجتهدون في الطريق ، والمجتهد لا يقتدي وإن كان على مجتهد آخر . وبالجملة فما أنكر على الصوفية إلا من جهل حالهم . كان الشيخ عليّ الخواص - رحمه اللّه تعالى - يقول : إيّاك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء والفقراء فتسقط من عين رعاية اللّه عز وجلّ ، وتستوجب المقت من اللّه تعالى . وقال الشيخ محيي الدين العربي قدّس سرّه : أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية والإشارات الربّانية كونها خارجة عن طور العقول ، ومجيئها بغتة من غير تفكّر ونظر ومن غير طريق العقل ، فتنكّرت على الناس من حيث طريقها ، فأنكروها ، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهلها ضرورة ؛ لاعتقاده فسادها ، وفساد عقائد أهلها ، وقد غاب عن المنكر أن الأولياء والعلماء العاملين قد جلسوا مع اللّه سبحانه وتعالى على حقيقة التصديق ، وعلى الصدق ، والتسليم ، والإخلاص ، والوفاء بالعهود ، وعلى مراقبة النفوس مع اللّه عز وجلّ حتى سلّموا انقيادهم إليه ، وألقوا نفوسهم سلما بين يديه ، وتركوا الانتصار لنفوسهم في
--> ( 1 ) انظر : كتابنا الإمام الجنيد سيد الطائفتين ( ص 145 ) ، واللمع ( ص 144 ) ، والرسالة ( 1 / 107 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 243 ) ، وسير أعلام النبلاء ( 14 / 67 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 3 / 119 ) ، وروضة الحبور ( ص 121 ) بتحقيقنا .