مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

96

شرح فصوص الحكم

الرُّؤْيا ( لأنه ما عبرها بل أخذ بظاهر ما رأى والرؤيا ) أي رؤياه هذه فاللام للعهد إذ ما كل الرؤيا يدخل فيه التعبير لذلك قال في حق رؤياه هذه قد صدقت فإنه يدخل فيها التعبير ولو لم يطلب رؤياه التعبير لما قال ذلك أو المراد الجنس أي والحال أن جنس الرؤيا وهو أنسب لقوله : ( تطلب التعبير ولذلك ) أي لأجل طلب الرؤيا التعبير ( قال العزيز إن كنتم للرؤيا تعبرون ) لعلمه أن رؤياه تطلب التعبير ( ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ) الذي هو المراد الصورة المرئية ( فكانت البقر سنين في المحل والخصب ) أي المراد من صورة البقر العجاف سني القحط ومن البقر السمان سني السعة فإذا كان رؤياه تطلب التعبير لم يصدق إبراهيم عليه السلام في الرؤيا ولو لم تطلب الرؤيا التعبير لصدق إبراهيم عليه السلام ( فلو صدق ) إبراهيم عليه السلام ( في الرؤيا لذبح ابنه ) لأن فعل الذبح وهو قطع عنق ولد بالسكين واقع عن إبراهيم عليه السلام في الرؤيا يدل على ذلك ظاهر الآية : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ولو لم ير صدور هذا الفعل منه في المنام لما هم وقصد القطع حتى غضب ورمى السكين فإنما يكون إبراهيم عليه السلام صادقا في الرؤيا لو وقع هذا الفعل بعينه عنه في الحس فلم يقع إذ ما يصدر عن الأنبياء ما لا يرضى اللّه تعالى عنه ولا يتعلق إدارته خصوصا من الكبائر فلم يصدق ( وإنما صدق الرؤيا في أن ذلك عين ولده ) وليس ذلك عين ولده ولم يصدق في هذا التصديق لعدم مطابقته في نفس الأمر فإذا لم يصدق في تصديقه لم يصدق في رؤياه كما بينا ( وما كان عند اللّه إلا الذبح العظيم ) الذي رآه ( في صورة ولده ) فكما أن ما كان عند اللّه إلا الذبح العظيم كذلك ما كان عند اللّه إلا تصديق الرؤيا عن إبراهيم عليه السلام في ذلك عين ولده وما فعل الأنبياء إلا ما هو عند اللّه ( ففداه ) الحق بالذبح العظيم ( لما وقع في ذهن إبراهيم عليه السلام ) عن ذبح ولده ( ما هو ) أي ليس ذلك الذبح ( فداء في نفس الأمر عند اللّه ) بل هو فداء عند اللّه في ذهن إبراهيم عليه السلام للرؤيا صورتان : صورة الذبح وهي بعينه الذبح الذي وقع في الحس في الكبش فكان المراد عين تلك الصورة لا غير إذ الحس لا يصور إلا عين الصورة فلا يطلب ما في الحس التعبير بخلاف الخيال فما كان المراد بالصورة الحسية إلا عين تلك الصورة ( فصور الحس الذبح وصور الخيال ابن إبراهيم عليه السلام ) لذلك دخل التعبير إذ المراد من الصور الخيالية ما حصل من المعاني لا نفس تلك الصورة فظهر المعني الكبشية في خيال إبراهيم عليه السلام في صورة ولده فحكم وهم إبراهيم عليه السلام أن المراد هو نفس الصورة فعمل بما حكم عليه وهمه فجاز ظهور المعاني في الخيال بما يطابق بصورها الحسية أو بغيرها فإذا جاز ظهور المعاني في الخيال بغير صورته الحسية لم يظهر معنى الكبشية في خيال إبراهيم عليه السلام بصورته الكبشية لحكمة فلم ير صورة الكبش ( فلو رأى الكبش في الخيال لعبره ) أي لوجب تعبير الكبش ( بابنه أو بأمر آخر ) لأن هذه الرؤيا في حق إبراهيم عليه السلام ابتلاء