مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
70
شرح فصوص الحكم
أصلا يعلم عابدة أنه ليس بآلة فما عبد الحجر إلا للتخيل ( ولهذا ) أي ولأجل كون عبادة الحجر للتخيل لا لغيره ( قال اللّه تعالى لنبيه إلزاما ) للعابدين إليه ( قُلْ سَمُّوهُمْ فلو سموهم لسموهم حجرا أو شجرا أو كوكبا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا نعبد إلها ) بالنكرة لعدم علمهم ربهم إلا بالتخيل وزعمهم أن الأرباب متفرقة لا مجتمعة في الحضرة الوحدية المعبودة لكل العابدين ( ما كانوا يقولون ) نعبد ( اللّه ولا إلا إله ) فلو لم يتخيلوا الألوهية لقالوا عند السؤال نعبد اللّه تعالى أو نعبد اللّه تعالى أو نعبد الإله بالاسم الجامع المعرّف والمعين للمعبودية للكل فإذا قالوا إلها بالنكرة المجهولة علمنا أنهم ما عبدوهم إلا لتخيل الألوهية ( والأعلى ) أي وأعلى العابدين ( ما تخيل ) أي لا يتخيل الألوهية فيه ( بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه ) على كل أحد كما إذا سئلنا : لم صليتم إلى الكعبة . قلنا : هذه أعظم مظهر من المظاهر الإلهية فعظمناها لأجل ذلك فأما عبادتنا فلا يكون إلا للَّه في أيّ مظهر كان لا من حيث كونه في ذلك المظهر ( فلا يقتصر ) هذا العابد عبادته للحق في مظهر دون مظهر بل يعبده من حيث ظهوره في جميع المظاهر لعلمه باللّه وبأسمائه ( فالأدنى ) أي أدنى العابدين ( صاحب التخيل ) عطف بيان إذا سئل وقيل : إذا كان حجرا لأيّ شيء عبدتم ( يقول ) في جوابه ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ) وهم المشركون أي قربا ( والأعلى العالم ) يخبر عن مشاهدته على ما كان عليه الأمر مخاطبا لصاحب التخيل ( ويقول : فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ النحل : 22 ] ظاهر في جميع المظاهر لا آلهة متعددة متفرقة ( فَلَهُ أَسْلِمُوا ) أي انقادوا واعبدوا ( حيث ظهر ) أي في أيّ مظهر ظهر لا إلى غيره إذ لا إله غيره حتى يعبد فلا تقتصروا مظاهره إلى أصنامكم واعلموا أن جميع الأشياء كلها مظاهره واعبدوه من حيث ظهوره في جميع المظاهر . ولما فرغ عن ذكر ما وجب عليه أراد أن يشرع إلى بيان إشارات نوح في دعائه لقومه وأورد آية مناسبة لما قبلها في المعنى ليبني عليها بيان إشارته ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الذين خبت نار طبيعتهم ) أي طفئت ( فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة ) يعني كانت طائفة من عباد اللّه طفئت نار طبيعتهم بحيث لا يصدر منهم من الآثار الطبيعية شيء فظهر لهم من كل طبيعة الصفات الإلهية والأنوار الذاتية فغابوا عن طبائع الأشياء ولم يميزوا الإله والمألوه ولم يروا المألوه ولم يدركوا الطبائع فإذا سئلوا عنها أخبروا عن ما شاهدوه من آثار الألوهية فقالوا : إلها ولم يقولوا طبيعة أي حجرا أو شجرا أو غير ذلك من الطبائع ولا يقولون مجلى إلهي ينبغي تعظيمه إذ لم يروا غير الإله شيئا يغلبه تجلي الذات حتى أخبروا عن أسمائها وإذا قالوا : إلها أشار نوح في دعائه لقومه إلى هذه الطائفة الشريفة وجمع في الدعوة مع قومه للمناسبة الصورية بينهما في إسناد الألوهية إلى الطبائع فدل دعاؤه بالمفهوم الأول على المشركين وبالمفهوم الثاني على هذه الطائفة الشريفة يعني هذه الدعوة تدل على كليهما بحسب الدلالتين فلما لم يقل المخبتون الطبيعة بل قالوا إلها ( وقد ضلوا كثيرا ) أي المحجوبين من أهل العالم