مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

71

شرح فصوص الحكم

كإضلال من يعبد الأصنام بقولهم : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [ نوح : 23 ] ( أي حيروهم ) أي أعطاهم حيرة الجهل بقولهم إلها ( في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ) فلا يعلمون أن إلههم واحد حقيقي والكثرة والتفرقة كأعضائنا في صورنا المحسوسة فتحيروا في علمه فوقعوا في حيرة بسبب استماع كلامهم فكانوا أي المخبتين ظالمين بوجهين ظلم لأنفسهم بإطفاء مقتضيات أنفسهم من الهوى بالمجاهدة وظلم لغيرهم بإيقاعهم في حيرة الجهل بسبب قولهم إلها ، ولم يقولوا طبيعة فدعا لهم نوح بذلك على زيادة حيرتهم بالعلم بقوله : ( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ [ نوح : 28 ] أنفسهم ) فكل المراد من الظالمين في دعاء نوح هم الظالمون في قوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ لذلك وصف بقوله : ( المصطفين الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ ) [ الشورى : 14 ] وهو قوله : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] ( فهم ) أي الظالمون لأنفسهم أكمل الناس وأعرفهم فأشار نوح عليه السلام في دعائه لقومه بلسان الذم إلى هذه الطائفة فقال : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ ( إِلَّا ضَلالًا إلا حيرة ) في العلم حتى لا يقولوا : إلها ولا يحيروا القوم في تعداد الواحد بالوجوه فدعاء نوح عليه السلام لهذه الطائفة ازدياد التحير في العلم باللّه تعالى بصورة الضلال وهو ما دعي به ( المحمدي ) بقوله : ( زدني فيك تحيرا ) فإن ازدياد التحير في اللّه تعالى لا يكون إلا عن زيادة علم وهو في حق الظالمين لأنفسهم من أمة محمد عليه السلام بلسان المحمدي وجاء ما أشار نوح عليه السلام في حق قوم موسى في قوله : ( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ ) أي كلما تجلى اللّه تعالى لهم باسمه النور ( مَشَوْا فِيهِ ) أي ذهبوا علما بسبب ضياء هذا النور إلى حضرة جنابه ( وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ) أي إذا قبض منهم ضياءه وخفي عليهم لظهور التجلي الجلالي عليهم ( قامُوا ) حيارى فكلما ازداد علمهم ازدادت حيرتهم هكذا حالهم إلى آخر عمرهم كان ذلك أول الثلاثة من كل أمة لا تختص أمة دون أمة . فلما انجر كلامه إلى الحيرة وكان مقام الحيرة أعلى المقامات وأشرفها شرع إلى بيان مرتبة الحائر وأحواله فقال : ( فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب ) وهو الذي مدار الوجود عليه وهو الحقيقة المحمدية قطب العالم فالوجود دوري فإذا دار الحائر حول القطب ( فلا يبرح منه ) أي لا يزال ولا ينفك من القطب لأنه أينما تولى يرى وجه اللّه تعالى في دائرة الوجود ويرى أن مطلوبه معه في كل موجود وهو مقام الواصلين من أهل اللّه تعالى ( وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه ) أي نفسه في خارج وزعم أنه يوصل إلى مطلوبه مجردا عن المظاهر فهو صارف عمره فيما لا يمكن حصوله ( صاحب خيال إليه ) أي إلى الخيال ( غايته ) فهو وأصل إلى ما يتخيله نفسه لا إلى مطلوبه ( فله ) أي لصاحب الطريق المستطيل ( من وإلى وما بينهما ) أي له ابتداء وانتهاء ومسافة فابتداؤه من نفسه وانتهاؤه إلى خياله ومسافته ما بينهما فلا يصل إلى مطلوبه بهذا الطريق وهو الطريق العابدين من أهل الظاهر فهم ليسوا من الحائرين الذين نحن في بيانه ( وصاحب الحركة