مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
63
شرح فصوص الحكم
بكسر الراء أي لم تثبت معه غيره ثم رجع إلى بيان جمع التنزيه والتشبيه في أنفسنا فقال ( فما أنت هو ) بتنزيه الحق عنك بسلب نفسك عنه من حيث إمكانك واحتياجك إليه ( بل أنت هو ) من حيث حقيقتك لأنك مخلوق على صفة اللّه تعالى : ( وتراه ) أي وأنت ترى الحق ( في عين الأمور ) أي في ذوات الأشياء ( مسرّحا ) أي مطلقا ( ومقيدا ) أي منزها ومشبها بعين ما ترى في نفسك ( قال اللّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ) من حيث أنه غني عن العالمين ( فنزه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) من حيث أسمائه ومظاهر صفاته وهو يقتضي إثبات المماثلة في السمع والبصر ( فشبه ) هذا ناظر إلى زيادة الكاف ( قال اللّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) من حيث ألوهيته وتعلق قدرته إلى مقدوراته ( فشبه وثنى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) إذ لا غير حتى يشترك معه من حيث أنه كان اللّه ولم يكن معه شيء ( فنزه وأفرد ) أي فنزه الحق عن عدم السمع وعدم البصر وأفرد فيهما بحيث لا اشتراك لغيره فيهما هذا ناظر إلى عدم الزيادة وإنما كان قوله تعالى : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] تشبيها في الأول وبالعكس في الثاني وكذا قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تنزيها في الأول وبالعكس في الثاني لأن المراد بالتنزيه والتشبيه كلامان متغايران بالإيجاب والسلب مع اتحاد الموضوع والمحمول من جهة تغايرهما من جهة أخرى ، فأيهما سبق في حق الحق يقتضي تعقيبه بالآخر بلا فصل شيء خارج عنهما لوجوب اجتماعهما لكون أحدهما في المعنى جزءا من الآخر فلا يمكن حمل قوله في الموضعين على التنزيه مع وجود أداة الحصر فيهما وهما الضمير واللام في الخبر لئلا يفوت الجمع فما أنزل اللّه تعالى في حق نفسه كلاما إلا وهو على طريق الجمع ولا يخفى على من اطلع معاني كلام رب العزة وأسراره . ولما أتم البيان في التنزيه والتشبيه أورد ما جاء من آيات القرآن العظيم في حق نوح عليه السلام وقومه ليظهر فضل القرآن على سائر الكتب المنزلة وبين ما قال إن ألسنة الشرائع الإلهية إنما جاءت في حق العامة على المفهوم الأول وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ فقال : ( ولو أن نوحا جمع لقومه ) أي لقومه الذين لم يجيبوا دعوته إذ القوم الذين أجابوه لا يحتاج في حقهم إلى الجمع ( بين الدعوتين ) أي دعوتي التنزيه والتشبيه ( لأجابوه ) من كان شأنه قبول الدعوة ولم تف الدعوة بدون الجمع ولو جمع لهذا الطائفة لأجابوا دعوته لا بمعنى أنهم أجابوا كلهم كما أن رسول اللّه تعالى جمع بين الدعوتين ولم يجب من لا استحقاق لقبول الدعوة كأبي جهل وأضرابه فظهر أن الجمع لا يوجب إجابة الدعوة مطلقا ولم يفعل نوح عليه السلام كذلك لأنه لم يؤت بجوامع الكلم ( فدعاهم جهارا ) أي ظاهرا وهو دعوته قومه إلى الحق بالتشبيه ( ثم دعاهم أسرارا ) أي باطنا وهو دعوته بالتنزيه فقد دعاهم بالتنزيه والتشبيه لكنه لا على طريق الجمع لذلك أورد بثم المقتضي للتأخير والتراخي ( ثم قال لهم ) بعد الدعوة ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [ هود : 3 ] ) يعني لما علم نوح منهم أنهم