مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

64

شرح فصوص الحكم

لا يجيبون دعوته أبدا ولا يصلون إلى المعارف الحاصلة من الإجابة وعلم أن طريق وصولهم إلى ما يدعو إليه قومه لا يكون إلا بالاستهلاك يدعوهم به ليحصل لهم هذا المقام فقال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي اطلبوا ستر وجوداتكم بظهور الحق بالصفة القهارية حتى يحصل لكم الوصلة إلى الحق باستهلاككم فيه لعدم قابليتكم واستعدادكم إلى حصول كمالكم بغير هذا الطريق وهو الهلاك فإذا هلكوا فقد وصلوا كمالهم لكن لا يجديهم نفعا لعدم وقوعه في أوانه ( أنه ) أي اللّه تعالى ( كان غفارا ) أي ستارا لمن طلب الستر فدعاهم بثلث دعوات إلى الباطن وهو التنزيه وإلى الظاهر وهو التشبيه وإلى الفناء في اللّه تعالى وهو اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ولم يف استعدادهم بقبول الإجابة بلبيك فقبلوا دعوته بالفعل وإن لم يعرفوا قبولهم وهو إفناء وجوداتهم في اللّه تعالى لذلك أغرقوا بالطوفان وقال ربّ إني ( دعوت قومي ) أي أخبر عن دعوته قومه ( ليلا ونهارا ) أي تنزيها وتشبيها ( فلم يزدهم دعائي إلّا فرارا ) صلة الفرار محذوفة للعموم وهي من وإلى إذ الفرار حركة لا بد له من البدء والغاية فكان المعنى في حق الخواص إلا فرارا من وجوداتهم إلى اللّه تعالى أي تركوها ووصلوا إلى اللّه تعالى فكان ابتداء الفرار وهو الستر من وجوداتهم وذواتهم وغايته الحق فكان هذا الكلام منه في حقهم مدحا وثناء لازما يفهمه العلماء باللّه وكذلك في حق العامة مدح لكون ابتداء فرارهم من ذنوب أنفسهم وانتهائه إلى جناب الحق بحسب مراتبهم وأما في حق قومه من المشركين فذم لفرارهم من الحق إلى اللذات الحسية ( وذكر عن قومه أنهم تصامّوا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته فعلم العلماء باللّه تعالى ) أي كل واحد من العلماء من أيّ أمم كانوا ممن سمع كلام نوح عليه السلام من أيّ لسان كان علموا من وجوه نظم كلامه ( ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم ) فإن هذا الثناء دعاء عليه في حق بعضهم بالمفهوم ودعاء له في بعضهم بالإشارة كما سنذكره . ( وعلموا ) أي العلماء باللّه تعالى أضمر الفاعل للعلم به ( أنهم إنما لم يجيبوا دعوته ) بالقول ( لما فيها من الفرقان ) بين التشبيه والتنزيه ( والأمر ) أي الدعوة الموجبة للإجابة ( قرآن ) أي جمع بين التنزيه والتشبيه ( لا فرقان ومن أقيم ) من اللّه تعالى ( في القرآن ) أي في مقام الجمع الاسمائي كنبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ( لا يصغي ) أي لا يميل في دعوة أمته ( إلى الفرقان ) أي إلى القوم الذي لا جمع فيه أي لا يدعو أمته إلا بالجمع بين التنزيه والتشبيه لأجل عدم إقامة نوح عليه السلام في القرآن أي في الجمع الاسمائي لا يدعو قومه به بل بالقول الفرقاني ( وإن كان فيه ) أي وإن الفرقان في القرآن ( فإن القرآن يتضمن الفرقان ) لكون الفرقان جزءا من القرآن ( والفرقان لا يتضمن القرآن ) لوجود الجزء بدون الكل والمراد من القرآن والفرقان أعم من أن يكون قوليا أو مقاميا فإن مرتبة محمد عليه السلام قرآني متضمن أي جامع لجميع المراتب الفرقانية من الأنبياء وغيرهم كما أن القرآن القولي متضمن لجميع الفرقان القولي من الكتب المنزلة ( ولهذا ) أي ولكون القرآن يتضمن الفرقان ( ما اختص بالقرآن