مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
34
شرح فصوص الحكم
يتقدم أحدهما على الآخر في الرتبة فهو الآخر حيث أوّل إذ رجوعية الكل إليه ثابت فيه وهو الأول حيث أخر إذ مبتدئية الكل ثابتة فيه فكان أوّليته عين آخريته وآخريته عين أوّليته ولا كذلك الممكن ( ثم لنعلم أن الحق وصف نفسه ) في الآية الكريمة ( بأنه ظاهر وباطن فأوجد العالم ) أي الإنسان لأن المراد بيان الارتباط وكيفية الدليل منا عليه ( عالم غيب ) وهو بواطننا وأرواحنا ( و ) عالم ( شهادة ) وهي ظواهرنا وقوانا الظاهرة فكنا مجمع العالمين فليس المراد من إيجادنا على هذا الوجه إلا ( لندرك ) الاسم ( الباطن بغيبنا ) بسبب إدراكنا غيبنا ( والظاهر بشهادتنا ) فنعلم قطعا على طريق الاستدلال من الأثر إلى المؤثر بأن الحق تعالى هو الظاهر والباطن ( ووصف نفسه بالرضا ) بقوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ * ( والغضب ) سبقت رحمتي على غضبي فأوجدنا ذا رضاء وغضب لندرك الرضاء برضائنا والغضب بغضبنا وإنما لم يذكر هذا الوجه لظهوره مما سبق ( وأوجد العالم ) أي أوجدنا ( ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه ) لأن الخوف لازم الغضب والرجاء لازم الرضاء فينا فتنصف بهما فنستدل على غضبه ورضائه مع كونه منزها عن الخوف والرجاء ( ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة ) تحصل من جلال اللّه تعالى في قلوبنا ( وأنس ) حاصل لنا من جماله فنتصف بهما فنستدل على جمال اللّه تعالى وجلاله مع أنهما لا ينسبان إليه تعالى ولا يسمى بهما لكنه يسمى بمبدئهما ، أي مبدأ الخوف وهو العضب ومبدأ الرجاء وهو الرضاء وكفى بذلك دليلا على حصول الارتباط ( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به ) سواء كان انتسابا حقيقيا أو في الجملة ( فعبر عن هاتين الصفتين ) الجمال والجلال ( باليدين اللتين توجهتا منه ) من الحق ( على خلق الإنسان الكامل ) لا على خلق غير الإنسان الكامل فإن المتوجه من اللّه تعالى على خلق غير الإنسان الكامل يد واحدة وإنما خلق اللّه تعالى الإنسان بيديه اللتين تجمعان جميع الصفات اللطيفة والقهرية ( لكونه ) أي الإنسان الكامل ( الجامع ) بحسب الحقيقة الكلية التي هي عينه الثابتة ( لحقائق العالم ) أي لحقائقه الكليات التي هي أعيانه الثابتة ( ومفرداته ) لكونه جامعا لجميع ما يصدق عليه العالم من الجزئيات فإذا وجد الإنسان في الخارج بخلق اللّه تعالى بيديه ظهر جميع ما في العالم في هذه النسخة الشريفة فاقتضى شأن الإنسان توجه اليدين مع الحق تعالى بخلقه فخلقه اللّه تعالى بيديه فإنه أعطى كل ذي حق حقه ( فالعالم ) بجميع حقائقه ومفرداته ( شهادة ) أي ظاهر الخليفة وصورته ( والخليفة ) أي الإنسان الكامل ( غيب ) أي باطن العالم وروحه المدبر له وهي أي الخليفة وإن كان موجودا في الخارج لكنه بحسب الحقيقة يكون غيبا وروحا مدبرا للعالم الكبير الروحاني والجسماني فالعقل الأول أوّل ما يربه الخليفة من عالم الأرواح فالخليفة سلطان العالم كله ( ولهذا ) أي ولأجل كون الخليفة غيبا ( يحجب السلطان ) عن الخلائق لوجود نوع من معنى الخلافة فيه ، لما فرغ عن بيان الارتباط الذي يحصل