مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

35

شرح فصوص الحكم

العالم لنا به شرع في بيان الارتباط الذي احتجب الحق عنا به فقال : ( ووصف ) أي وستر ( الحق نفسه ) وإنما فسرنا الوصف بالستر لأنه لا يقال في كل لسان من الأنبياء والأولياء اللّه جسم طبيعي أو جسم نوري ، بل قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن للَّه سبعين ألف حجاب » « 1 » ولم يقل ألف صفات فلا حظ للوجوب الذاتي في هذه الأشياء على الوصفية كما لاحظ لنا في الوجوب الذاتي فظهر أن مراد الشيخ بالوصف الستر أو غير ذلك من المعنى المناسب لحضرة الحق واللائق به لا ما اصطلح عليه القوم وإنما اختار لفظ الوصف ليجانس ما قبله وينظم كلامه في مسألة الارتباط في سلك واحد وهو نوع من البلاغة أو المعنى وصف نفسه ( بالحجب الظلمانية ) أي وصف نفسه بالأسماء التي هي مظاهر لها أو المعنى وصف نفسه بصفات الحجب الظلمانية كما قال : جعت ومرضت وغير ذلك مما ورد به الإخبارات الإلهية ( وهي الأجسام الطبيعية و ) وصف نفسه بالحجب ( النورية وهي الأرواح اللطيفة فالعالم ) دائر ( بين كثيف ) طبيعي ( ولطيف ) روحاني ولما وصف نفسه بالحجب الظلمانية والنورية وكنا بين كثيف ولطيف احتجب ذاته تعالى عنا بنا فحجابنا علينا في الحلق عين وجودنا وهو معنى قوله : ( وهو ) أي العالم ( عين الحجاب على نفسه ) أي على العلم فإذا كان وجود العالم عين الحجاب على نفسه ( فلا يدرك ) العالم ( الحق إدراكه ) أي العالم ( نفسه ) فإنه لما اتصف بالعالمية فلا يقع نظره على ذوق وشهود إلا إلى العالم لا إليه تعالى ( فلا يزال ) العالم ( في حجاب لا يرفع ) وإلا لانعدم العالم كما قال : « إن للَّه تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ( مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره ) يعني أن هذا الحجاب لا يمنع علمه بأن اللّه واجب بالذات وغني عن العالم والعالم بذاته مفتقر إليه تعالى قوله : ( ولكن لاحظ له ) أي لا علم للعالم علم ذوق ( في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق ) استدراك عن قوله مع علمه فإذا لم يكن له حظ في الوجوب الذاتي ( فلا يدركه أبدا ) أي فلا يدرك العالم الحق تعالى أبدا علم ذوق من هذا الوجه ، فإن ذوق الشيء شيئا في غيره فرع ذوقه ذلك الشيء في نفسه فإذا لا يدركه من هذه الحيثية ( فلا يزال الحق من هذه الحيثية غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم ) بفتح القاف أي في الاتصاف ( للحادث في ذلك ) الوجوب الذاتي حتى يعلم الحادث الحق علم ذوق وشهود من هذه الحيثية ولو كان ذلك الحادث من أهل اللّه تعالى فقد لزم من هذا الكلام مسألة مهمة لم تجيء بيانها في الكتاب وهي أنه كما لاحظ له في الوجوب الذاتي كذلك لاحظ له في الصفات القديمة إذ لا يتصور قدم الصفات مع حدوث

--> ( 1 ) ذكره الزبيدي في كتابه اتحاف السّادة المتّقين بلفظ « إن للَّه سبعين حجابا » ج 2 / 72 ، وذكره أيضا بهذا اللّفظ الشّوكاني في الفوائد 450 .