مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
284
شرح فصوص الحكم
يقرب فيها إلى اللّه فصدر هذا الكلام منهم عن جهل ( حتى قالوا أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا ) أي جعل الالهة إلها واحدا ( لشيء عجاب فما أنكروه ) أي ما أنكروا كون الإله واحدا ( بل تعجبوا من ذلك ) أي من كون الإله واحدا وإنما تعجبوا من ذلك ( فإنهم وقفوا ) أي ثبتوا وقنعوا ( مع كثرة الصور ونسبة الألوهية لها ) أي إلى الصور الكثيرة ( فجاء الرسول دعاهم إلى إله واحد يعرف ) أي معروف عندهم ( ولا يشهد ) أي ولا مشهود فإن إلهتهم المشهودة لهم أصنامهم ( بشهادتهم إنهم أثبتوه ) أي الإله الواحد ( عندهم واعتقدوه في قولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) وإنما قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه ولم يقولوا لكونهم إلهة ( لعلمهم بأن تلك الصورة حجارة ) لا تستحق العبادة لذاتها بل إنما تستحق العبادة لكونها مقربة إلى اللّه ( ولذلك ) أي ولأجل علمهم بأن تلك الصورة حجارة لا تستحق العبادة والألوهية ( قامت الحجة عليهم بقوله قُلْ سَمُّوهُمْ فما يسمونهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم ) من الحجر والشجر والكوكب ( حقيقة ) فظهر أن تسميتهم إلهة لهم مجاز عندهم والمقصود أن الرسول ما دعاهم إلى المجهول المطلق عندهم بل دعاهم إلى عبادة ما علموا من الحق فإنهم علموا أن اللّه واحد حقيقي واعتقدوه لكنه لما غاب وبعد مشاهدتهم لا يعبدون ولا ينقادون إليه لاستحالتهم عبادة الغائب عن المشاهدة ولو قرب مع مشاهدتهم لعبدوه لذلك قالوا ليقربونا فلا يمكن العبادة بدون القرب والمشاهدة عندهم فكأنهم قالوا في التحقيق ما نعبد إلها لم نره ولم ينكروا بأن اللّه واحد وإنما إنكارهم في عبادة الإله الواحد المعروف الغير المشهود لهم فجاء الرسول بما يزيل به إنكارهم من أن الإله المعروف الغير المشهود يجب له العبادة وقرّر ما في علمهم واعتقادهم من أن الإله واحد ( وأما العارفون بالأمر على ما هو عليه ) وهو الذين علموا أن الحق واحد ظاهر في مجالي متعددة ( فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور ) مع علمهم بأن الصور كلها مجالي إلهي عبد فيها الحق ( لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول الذي آمنوا به عليهم الذي به ) أي الايمان الذي يسببه ( سموا مؤمنين فهم عباد الوقت ) أي يعبدون اللّه بمقتضى الوقت فالوقت يحكم على ظهورهم بصورة الإنكار لما عبد من الصور قوله ( مع علمهم ) يتصل إلى قوله فيظهرون العارفون بصور الإنكار مع علمهم ( بأنهم ) أي بأن عبدة الأصنام ( ما عبدوا من تلك الصور أعيانها ) المسماة بأسماء المحدثات ( وإنما عبدوا اللّه فيها ) أي في أعيان الأصنام ( بحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم ) أي من صور أصنامهم فعبادتهم للأصنام ليست إلا ما كان عليه الأمر فإنكار العارفين ليس عن جهل بحقيقة الأمر بل مرتبتهم في العلم تعطيهم ذلك وقوله بحكم يتعلق بقوله عبدوا اللّه ( وجهله ) أي جهل بما علم العارفون من أن عبدة الأصنام ما عبدوا أعيانها ( المنكر الذي لا علم له بما تجلى ) اللّه لعباده في صور الأكوان ( وستره ) أي ستر تجلي الحق في الصور