مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
272
شرح فصوص الحكم
كان ) العبد ( عبد نظر ردّ الحق إلى حكمه ) أي حكم العقل أو فإن كان المتجلي له عبد ربّ ردّ إلخ ( وهذا ) أي رد الحق إلى حكم العقل ( لا يكون إلا ما دام ) المتجلي له ( في هذه النشأة الدنيوية محجوبا عن نشأة الأخروية في الدنيا فإن العارفين يظهرون هنا ) أي في عالمنا هذا ( كأنهم في الصورة الدنيوية لما يجري عليهم من أحكامها ) أي من أحكام الدنيوية ( واللّه تعالى قد حوّلهم في بواطنهم في النشأة الأخروية لا بد من ذلك ) التحول لهم وإلا لم يكونوا عارفين ( فهم بالصورة مجهولون ) لا يعلمهم الناس فإنهم ستروا اللّه عن أعين الأغيار فسترهم اللّه عن أعين المحجوبين ( إلا لمن كشف اللّه ) غطاءه ( عن بصيرته فأدرك ) وهم الذين قال تعالى في حقهم : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري ( فما من عارف باللّه من حيث التجلي الإلهي إلا وهو على النشأة الأخروية قد حشر في دنياه ونشر من قبره ) في باطنه ( فهو يرى ما لا يرون ) أي المحجوبون ( ويشهد ما لا يشهدون عناية من اللّه ببعض عباده في ذلك ) المقام الدنيوي فعجل لهم ما أجل لغيرهم فأنشأ اللّه العارفين نشأتين فجمع العارفون في حال حياتهم نشأتين دنيوية وأخروية ( فمن أراد العثور ) أي الاطلاع ( على هذه الحكمة الالياسية الإدريسية الذي أنشأه اللّه نشأتين ) فجمع الالياس وهو إدريس نشأتين نشأة دنيوية ونشأة أخروية من حيث التجلي الإلهي كما ذكر في حق العارفين ( فكان نبيا قبل نوح ثم رفع ) إلى السماء ( ونزل رسولا بعد ذلك فجمع اللّه ) فيه ( بين المنزلتين ) النبوة والرسالة ( فلينزل ) جواب من ( عن حكم عقله إلى شهوته وليكن حيوانا مطلقا ) بحيث لا يحكم العقل عليه أصلا فيفوته العقل مطلقا ( حتى يكشف ) ذلك النازل ( ما يكشفه كل دابة ما عدا الثقلين ) من أحوال الموتى من التنعيم والتعذيب ( فحينئذ ) أي فحين يكشف ما يكشف كل دابة ( يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته ) فيه أنزل منزلة إدريس حيث نزل عن سماء غفلة إلى أرض نفسه فهذا النزول لا يكون إلا بعد العروج إلى سماء الروح بالرياضات والمجاهدات كما كان رفع إدريس إلى السماء كذلك ( وعلامته ) أي وشرط التحقق بمقام الحيوانية ( علامتان الواحدة هذا الكشف ) المذكور وهو قوله حتى يكشف ما يكشفه كل دابة فإذا كشف هذا المذكور ( فيرى من يعذب في قبره ومن ينعم ويرى الميت حيا في قبره والصامت متكلما والقاعد ماشيا والعلامة الثانية الخرس بحيث أنه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ ) أي فحين تحقق العلامتان ( يتحقق بحيوانيته وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقق بحيوانيته ) لعدم وجود العلامتين ( ولما أقامني اللّه تعالى في هذا المقام تحققت بحيوانيتي تحققا كليا فكنت أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع فكنت لا أفترق بيني وبين الخرس الذين لا يتكلمون فإذا تحقق ) ذلك النازل ( بما ذكرناه ) من مقام حيوانيته ( انتقل إلى أن يكون عقلا مجردا في غير مادة طبيعية ) فحينئذ قد تحقق بمقام إلياسية ( فيشهد أمورا ) كلية مجردة في غير مادة طبيعية ( هي أصول لما تظهر في الصورة الطبيعية )