مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
269
شرح فصوص الحكم
المثال مرآة واحدة من هذه المرائي لا تنظر الجماعة ) أي لا ينظر العامة بل ينظر الخواص ، فإن العامة لا تنظر فيها لطلب معرفة اللّه بل إنما تنظر لمعرفة صورته المجهولة له بوجه والخواص إنما ينظرون من حيث كونها مثالا لمعرفة اللّه هنالك مطلبهم أو بتاء الخطاب فمعناه لا تنظر كثرة المرآة ( وهو ) أي النظر في المثال مرآة واحدة ( نظرك ) في الحق ( من حيث كونه ذاتا فهو ) أي الحق من هذه الحيثية ( غني عن العالمين ) لا يكون مرآة لأحد ولا يكون أحد مرآة له فكما أن المرآة المنظور فيها من حيث نفسها واحدة غنية عن الصور الحاصلة فيها كذلك ذات الحق ( من حيث ذاته غني عن العالمين ) وانظر إلى المرايا المتخالفة في المقدار وهو نظرك في الحق ( من حيث الأسماء الإلهية فكذلك الوقت ) أي وقت نظرك في الحق من حيث الأسماء الإلهية ( يكون ) الحق ( كالمرايا المتكثرة المتخالفة المقادير فأيّ اسم إلهي نظرت ) أنت ( فيه نفسك أو من نظر فيه ) نفسه ( فإنما يظهر للناظر حقيقة ذلك الاسم ) كما يظهر للناظر حقيقة المرآة من الطول في المرآة الطويلة والعرض من المرآة العريضة والصغر والكبر والناظر واحد وهذه الصور المختلفة هي حقائق المرايا تظهر للناظر ( فهكذا ) أي فكما ذكرنا ( هو ) الشأن ( الأمر ) في حق الحق ( إن فهمت ) فاطلب بقتل نفسك بالفناء في اللّه فاصبر بالبلايا في طريق الوصول إلى ما ذكرناه من معرفة الحق ( فلا تجزع ولا تخف ) وكن شجاعا على قتل نفسك فإنه يوصلك إلى شهود الحق ( فإن اللّه يحب الشجاعة ولو على قتل حية ) حقيرة خارجة عنك قليلة الضرّ والعداوة التي لا تضرّك إذا لم تقتل فلا يجب عليك قتلها مع أنها لو قتلها وصلت درجة الشجاعة فاستحقت حب اللّه ( وليست الحية ) الكاملة في العداوة المهلكة الواجب القتل المانعة عما ذكرناه من المعارف الإلهية ( سوى نفسك ) فإذا قتلها بالفناء في اللّه فقد وصلت أعلى درجة الشجاعة فاستحقت كمال حب اللّه فلما شجع السالكين إلى محاربة النفس ونفلهم من قتل قتيلا فله سلبه ، وسلب النفس حب اللّه ومعرفته رجع إلى تحقيق القتل والاعدام وجعله مبني لبيان المعارف بعده فقال ( والحية حية لنفسها بالصورة والحقيقة ) أي الحية لا تعدم بالقتل مطلقا بل هي باقية بذاتها وحقيقتها بصورتها النوعية وإن انعدمت بالصورة الحسية ( والشيء لا يقتل عن نفسه ، وإن أفسدت الصورة في الحس ) فنفسه باقية بالصورة البرزخية قال بعض الأفاضل إنما نقل الكلام في هذه الحكمة الايناسية إلى بيان البقاء وكشف المعاد لأن إلياس كان إدريس فارتفع إلى السماء وبقي فيها وفني صورته الشخصية ثم عاد إلى الصورة الالياسية تم كلامه وليس بصحيح لأن إدريس إنما رفع إلى السماء بعد تحصيل الاعتدال الحقيقي الذي هو سبب للبقاء فينا في فناء صورته الشخصية وإنما جاءت الصورة الالياسية لتحويل الحق باطنه في النشأة الأخروية فيحشر بالحشر الروحاني مع بقاء صورته الشخصية كما سيأتي تحقيقه تفصيلا في المتن ولا إشارة في كلام المصنف إلى ما قاله ذلك الفاضل بل كلامه كله