مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

249

شرح فصوص الحكم

لعباده بعلمه فلا يقع في هذا العلم خطأ ( وما عداه ) من العلم ( فحدس وتخمين ليس بعلم أصلا ) ثم رجع إلى بيان حكمة مسألة أيوب عليه السلام فقال : ( ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء ) أي الماء الذي سرى الحياة فيه فكان ذلك الماء ماء الحياة ( شرابا لإزالة ألم العطش ) وهو نار الاشتياق ( الذي هو ) حاصل له ( من النصب ) أي الضرّ بفتحتي النون والصاد وضمتيهما وضمة وسكون ( والعذاب الذي مسه به ) أي بذلك العذاب ( الشيطان أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليها ) فلما اغتسل أيوب زال حرارة بدنه التي كانت من مس الشيطان بضرّ فإذا شرب زال حرارة العطش من روحه التي حصلت من مس الشيطان أي البعد عن إدراك الحقائق وهو الحجاب الذي يقع على عين القلب فيبعده عن الإدراك فأشار عليه السلام في كلامه إلى ألمه الروحاني فإذا شرب أدرك الحقائق وإنما فسر الشيطان بالبعد عن إدراك الحقائق مع أن الشيطان بعيد عن إدراك الحقائق ليس يبعد لكون البعد من صفة الشيطان فكان المعنى أني مسني شطن الشيطان ، فتركت الإضافة إلى الشيطان مبالغة ( فيكون ) أيوب عليه السلام ( بإدراكها في محل القرب وكل مشهود قريب من العين ولو كان ) ذلك المشهود ( بعيدا بالمسافة ) من البدن ( فإن البصر ) بسبب خروج الشعاع منه ( يتصل به ) أي بالمشهود ( من حيث شهود ولولا ذلك ) الاتصال ( لم يشهده ) أي لم يشهد الشاهد المشهود ( أو يتصل المشهود بالبصر ) بحسب انطباعه به ( كيف كان ) قلت ( فهو ) أي الشهود ( قريب بين البصر والمبصر ولهذا ) أي ولأجل كون الشهود قريبا بين البصر والمبصر ( كنى ) أي أتى ( أيوب عليه السلام ) كلامه ( في المس ) بالكناية ( فأضافه إلى الشيطان ) بقوله أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ وهو البعد ( مع قرب المس فقال البعيد مني ) وهو الشيطان ( قريب مني لحكمة فيّ ) وهذه الحكمة هو الحجاب الذي يمس عين قلبه فالشيطان يقرب منه بسبب هذا المعنى فطلب من اللّه إزالة الحجاب عنه خوفا عن تصرف الشيطان فيه ( وقد علمت أن القرب والبعد أمران إضافيان فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامهما في البعيد والقريب ) فكان البعيد من الشيء لمعنى قريبا منه لمعنى آخر كما ذكر في المشهود فإنه قريب من الشاهد من مشهوده بعيد من حيث المسافة ( واعلم أن سر اللّه في أيوب عليه السلام الذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاليا ) أي لا يعرف معنى ذلك الكتاب إلا أهل الحال ومنسوبا إلى حال أيوب عليه السلام ( تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه ) من الأعلام على البناء للفاعل أو من العلم على البناء للمفعول أو على صيغة الغيبة وكذا قوله ( فتلحق بصاحبه ) أي فتصل هذه الأمة في الدرجة بمقام صاحب ذلك الكتاب وهو أيوب عليه السلام في الرضاء بالقضايا والصبر على البلايا فمن صبر منا على الأعمال الشاقة في طريق الحق فقد أعطى اللّه له ما أعطى أيوب عليه السلام وإنما جعله اللّه هكذا ( تشريفا لها ) أي لهذه الأمة وأيّ تشريف وتكريم أعظم من هذا الذي ابتلي نبيه لنا ( فأثنى اللّه عليه ) أي