مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
250
شرح فصوص الحكم
فإذا كان البصر أجمل الوصف الجميل وأكرمه عند اللّه أثنى عليه ( أعني على أيوب عليه السلام بالصبر مع دعائه في رفع الضرّ عنه فعلمنا ) من معاملة الحق مع أيوب عليه السلام ( أن العبد إذا دعا اللّه في كشف الضرّ عنه ) أي عن نفس العبد ( لا يقدح في صبره ) وإلا لما أثنى على أيوب عليه السلام ( وإنه ) أي والحال أن أيوب عليه السلام ( صابر وأنه نعم العبد ) ولو كان دعاؤه في كشف الضرّ عنه يقدح في صبره لما جعله متصفا بهذه الصفة الحسنة ( كما قال ) تعالى في حقه ( إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجاع إلى اللّه ) في كشف الضرّ ( لا إلى الأسباب ) فلا ينافي صبره إذ الرجوع إلى اللّه في كل أمر أحسن الصفة الحسنة فلا ينافي الصبر بل إنما ينافيه الرجوع إلى الأسباب في رفع الضرّ ( والحق يفعل ) ما دعاه العبد ( عند ذلك ) أي عند دعائه ( بالسبب ) وإنما أعطى الحق ما طلبه العبد منه بالسبب مع أن اللّه قادر أن يفعله بدون سبب ( لأن العبد ) وإن كان رجّاعا إلى اللّه لكنه ( يستند إليه ) أي السبب ولما اتجه أن يقال لم لا يجوز رجوع العبد إلى الأسباب مع أن الرجوع إلى الأسباب رجوع إلى اللّه بحسب العين على أن الإزالة لا يكون إلا بالأسباب فلا يذمّ العبد في رجوعه إلى ما يزيل به ضرّه فلا ينافي ذلك الرجوع أيضا صبره أجاب ذلك بقوله له ( إذ الأسباب المزيلة لأمر ما ) من الأمور المضارّة ( كثيرة ) والعبد لا يعلم يقينا أن الحق بأيّ سبب كشف ضرّه ( والمسبب واحد العين فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى ) أي أوجب ( من الرجوع إلى سبب خاص ربما لا يوافق ) ذلك الرجوع ( علم اللّه فيه فيقول ) العبد ( إن اللّه لم يستجب لي ) دعائي ( وهو ما دعاه ) أي والحال أن العبد لم يدعو فافترى على اللّه وعلى نفسه وهو لا يشعر بذلك وأساء الأدب ( وإنما جنح ) أي مال العبد في وقت دعائه ( إلى سبب خاص لم يقتضه ) أي السبب ( الزمان ولا الوقت فعمل أيوب عليه السلام بحكمة اللّه إذ كان نبيا لما علم ) أيوب عليه السلام ( إن الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى ) مطلقا ( عند الطائفة ) الذين لم يروا الأمر على ما كان عليه ( وليس ذلك ) أي ما ذهب الطائفة ( بحد للصبر عندنا ) أي عند الأنبياء والأولياء الكاملين ( وإنما كان ) هذا عندنا ( حبس النفس عن الشكوى لغير اللّه لا إلى اللّه فحجب الطائفة نظرهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضاء بالقضاء ) كما يقدح في الصبر بالبلاء ( وليس كذلك فإن الرضا بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى اللّه ولا غيره وإنما يقدح ) الشكوى ( في الرضاء بالمقتضيّ ونحوه ما خوطبنا بالرضا بالمقتضيّ والضرّ هو المقضيّ ما هو عين القضاء ) إذ المقضيّ هو المحكوم به والقضاء حكم اللّه فظهر أن الصبر أخص مطلقا من الرضاء ( وعلم أيوب عليه السلام أن في حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه في رفع الضرّ مقاومة القهر الإلهي وهو ) أي مقاومة القهر الإلهي ذكر الضمير باعتبار حبس النفس أو باعتبار ما بعده ( جهل بالشخص إذا ابتلاه اللّه بما تألم منه نفسه فلا يدعو اللّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ويسأل إلى اللّه في إزالة ذلك