مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

239

شرح فصوص الحكم

أجزاؤه ) الأخروية ولما اتجه أن يقال إن هذا الكلام لا يصدق إلا في حق أهل النعيم وأما أهل الجحيم فيفترق أجزاء أبدانهم الأخروية بالنصوص كما قال اللّه تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] ، فالنار تأكل لحومهم وعظامهم فتفرقت الأجزاء بأكل النار ثم سوى لهم مركبا من الأبدان الأخروية فلا بقاء لهم بهذا المعنى أي بمعنى عدم افتراق الأجزاء أجاب عنه بقوله ( وأما أهل النار فما لهم إلى النعيم ) يعني أن تبديل جلودهم وإفناء أجزائهم بسبب أكل النار لحومهم قبل وصولهم إلى نعيمهم الخاص بهم وبعد وصولهم وإن كانوا يعذبون بالنار أبدا ويتنعمون بمشاهدة ربهم أبدا لكن لا يموتون أبدا أي لا يفترق أجزاؤهم بذلك لحصول الاعتدال بالإحراق وتبديل الأبدان فكان حالهم في النار حال أهل النعيم في النعيم في عدم افتراق أجزاء أبدانهم والنعيم باق وكذا أهله باق سواء كان في دار النعيم أو الجحيم . اعلم إن هذه المسألة مبنية على أصل عند أهل اللّه وهو أنهم قسموا أسماء اللّه تعالى بحسب الأحكام منها ما لا ينقطع حكمه أبدا كالأسماء الحاكمة على الآخرة منها اللطيف والقهار ، وهذان الاسمان قسم من الاسم الآخر فلا ينقطع حكم القهار أبدا وهو وصول أثره إلى أهل النار وهو العذاب كما أن حكم اللطيف لا ينقطع حكمه أبدا في دار السلام فلا يخلو أهلها عن العذاب كما لا يخلو أهل دار السلام عن النعيم فلا ينقطع حكم النار عن أهلها وهو الإحراق ، هذا هو الأصل الثابت بالنص الإلهي والكشف الإلهي عند الشيخ صاحب الكتاب وأمثاله من أهل اللّه . فإذا علمت هذا فاعلم أن معنى قوله وأما أهل النار فما لهم أي آخر حالهم إن يرجع من العذاب الخاص عن الراحة والنعيم إلى النعيم الممتزج بالعذاب فتبدل عذابهم الخالص إلى العذاب الذي فيه العذاب لأن العذاب محرق في الأصل وهذا لا يكون إلا بظهور حكم الرحمة التي سبقت في حقهم بعد استيفاء الحقوق فكان العذاب لاستيفاء الحقوق ساقطا في حقهم وبعد ذلك ظهر العذاب الذي اقتضته شقاوتهم الذاتية فعذبوا لأجل ذلك على الأبد لاستيفاء الحقوق فصار النار بردا وسلاما لأرواحهم من هذا الوجه ومولما لأبدانهم من حيث شقاوتهم الذاتية فقد تساوي راحتهم عذابهم فيجتمع نوع من الرحمة بنوع من العذاب فيهم لاستحقاقهم الذاتي فلا ينقطع حكم الرحمة بعد الوصول إليها ولا حكم القهر عنهم أبدا ( ولكن ) هذا النعيم حاصل لهم ( في النار ) وإنما كان النعيم لهم في النار ( إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب ) وهي مدة استيفاء الحقوق ( أن تكون ) تلك الصورة النارية مع بقاء صورته اللونية ( بردا وسلاما على من فيها ) من حيث روحانيتهم من جهة إنها لا تأكل لحومهم وجلودهم ولا نضجت وتمزقت جلودهم ولا يفني أبدانهم لكنها أحرقت أبدانهم بوجه آخر فلا يطلع على أفئدتهم بعد ذلك لعدم تبديل الجلود ونضجها فلا يصل