مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

240

شرح فصوص الحكم

ألمها إلى أرواحهم بخلاف العذاب الأول فإنه يأكل النار أبدانهم ويبقي أفئدتهم ليصل ألمها إلى أرواحهم ثم وثم إلى ما شاء ثم سوى مركبا معتدلا من جنس هذا الدار لا يفنى بعذاب النار فلا مخالفة بين الطائفتين في دوام أصل العذاب بل الاختلاف في نوعه ولا يضرّ في الاعتقادات الدينية هذا المقدار من الاختلاف في مثل هذا المحل فإنه محل تحيرت العقول فيه أرواحهم في راحة لتجلي الحق لهم بالرحمة التي سبقت في حقهم وإيصاله لهم غذاء أرواحهم من انكشاف جماله على حسب مراتبهم فهم في راحة غير راحة فالنار تكون بردا وغير برد ولا يعجبك هذا الكلام ، فإن الإنسان إذا شرع في تحصيل الكمالات بتكاليف الشاقة التي لا تلائم الطبع والنفس فهو في تعب وعذاب من حيث النفس والبدن وتلذذ وراحة من حيث الروح فإن روحه متلذذ بنتائج هذه الأعمال الشاقة لأجل تلذذه يتحمل الأعراب فكانت الراحة مع العذاب في حق الكفار أحق من الراحة بدون العذاب إذ راحتهم نتيجة عذابهم فكلما ازدادوا عذابا ازدادوا راحة كما أن طالب المعارف الإلهية كلما ازدادوا تعبا ومشقة ازدادوا راحة ولذة روحانية وهي تلذذ راحة بالمعارف ( وهذا ) أي كون النار بردا وسلاما على من فيها ( نعيمهم ) وهذا المقدار القليل الغير المتعدي به من النعيم ضيافة اللّه لهم فإنهم وإن كانوا أشقياء لكنهم أليسوا عباد اللّه فلا وجه لمنع ضيافة اللّه عن عباده بكلتيها قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكرموا الضيف ولو كان كافرا » والإكرام إيصال النعم وحسن المعاشرة معه والشرع وضع على الحقيقة فدل ذلك الحديث على أن الإكرام على حسب حالهم ومقامهم واقع عند اللّه فما أكرم وأنعم عليهم إلا بكون النار عليهم بردا وسلاما فقط لا غير مع أن زيادة النعم بالغا ما بلغ حسن عند اللّه تعالى لذلك لا يعدّ ولا يحصى نعمه لعباده إلا اللّه على أن كونهم في جحيم بلا أكل وشرب وحور ولباس حرير وغير ذلك من نعم الجنان عين العذاب وإن كان النار بردا وسلاما ، وإياك وظن السوء لأولياء اللّه في ظهور مثل هذا المعنى منهم . فلما ذكر أحوال أهل النار مثل بقصة إبراهيم عليه السلام تفهيما لأهل الحجاب لأن بعض أحوالهم في النار تشبه بعض أحوال إبراهيم عليه السلام وإلا فليس حالهم كله يشبه حال إبراهيم عليه السلام ( فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق ) التي كانت ثابتة على ذمتهم فالنعيم حاصل لهم بعد استيفاء المنتقم حقوق الغير فعذبوا على الأبد لاستحقاق ذواتهم التي تقتضي الشقاوة أبدا فتمتنع إجابتهم الدعوة في أي حال كانوا ويدعون إلى السجود أي إلى الإطاعة فلا يستطيعون فعذبوا بها بنار الجلال على الأبد فذواتهم باقية وكذا اقتضاؤها وهو شقاوتهم الذاتية ومقتضى الشقاوة الذاتية على الأبد بنوع من العذاب وذاته تعالى اقتضت سبقة رحمته على غضبه فكان حق الرحمة السبقة على الغضب وحق الشقاوة الذاتية التعذيب على الأبد ومن مقتضى ذاته أن يعطى كل ذي حق حقه فجمع اللّه تعالى بحسب