مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
215
شرح فصوص الحكم
العرب الرحمن الرحيم فقيد ) الحق ( رحمة الوجوب ) في قوله وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ، وفي قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . ( وأطلق مرحمة الامتنان في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ حتى الأسماء الإلهية أعني حقائق النسب ) فرحم اللّه تعالى الأسماء رحمة الامتنان بإعطاء ما طلبته من المظاهر ( فامتن ) اللّه ( عليها ) أي الأسماء ( بنا ) عبارة عن العالم كله أي بوجودنا فإن كان كذلك ( فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء ) أي بسبب الأسماء ( الإلهية والنسب الربانية ثم ) أي بعد إعطاء وجودنا بالرحمة الامتنانية ( أوجبها ) أي أوجب تلك الرحمة الامتنانية ( على نفسه بظهورنا ) أي بسبب ظهورنا برحمة الامتنان ( لنا ) متعلق بأوجب أي ليرحمنا بها ( وأعلمنا ) من الإعلام ( أنه ) أي اللّه ( هويتنا ) وهو قوله كنت سمعه وبصره ( لنعلم أنه ما أوجبها ) أي ما أوجب الحق تلك الرحمة ( على نفسه ) في التحقيق ( إلا لنفسه ) أي علة الوجوب وسببه هي جهة اتحادنا عينيتنا معه في صفاته لا من جهة غيريتنا معه ولو كنا غير الحق من كل الوجوه لما كتب الرحمة على نفسه والرحمة لا تكون إلا بقرب المناسبة وكثرتها ألا ترى أن الإنسان يتفاوت ترحمه بقوة المناسبة وضعفها والرحمة تنشأ من الميل الحسي والشيء لا يميل إلى مباينه بل يميل إلى مجانسه فالحق لا يميل إلينا إلا بمجانستنا إياه في أخلاقه وأوصافه ( فما خرجت الرحمة عنه ) خروجا منفكا بحيث يزول عنه ويحدث في غيرها لأن رحمته وأصله إلى من اتصف بصفاته الكاملة وصفاته عين ذاته من وجه أو موجودة فيه فمنه خرجت وإليه عادت ( فعلى من امتن وما ثمة ) أي وما في مقام الامتنان ( إلا هو ) أي إلا اللّه فإن قوله كتب على نفسه الرحمة قديم أزلي واقع قبل أن يحدث العالم في مقام كان اللّه ولم يكن معه شيء وهذا المقام ثابت للحق الآن فلما تكلم عن لسان التوحيد أراد أن يتكلم بلسان التفريق على ما هو سنته وسنة أهل التحقيق للجمع بين الوحدة والكثرة فقال : ( إلا أنه ) استثناء منقطع ( لا بد من حكم لسان التفصيل ) كما لا بد من حكم لسان الإجمال فإن الكثرة واقعة كما أن الوحدة واقعة فلا بد من البيان عن أحكامها وإنما كان لا بد من حكم لسان التفصيل ( لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم حتى يقال إن هذا أعلم من هذا مع أحدية العين ) بحسب الحقيقة والتفاضل إنما يكون بحسب تفاوت الاستعدادات من القرب والبعد من الاعتدال الروحاني والجسماني ( ومعناه ) أي معنى تفاضل الخلق في العلوم مع أحدية العين ( معنى نقص الإرادة عن تعلق العلم ) فإن الإرادة تتعلق بالممكنات والعلم يتعلق بالممكنات والممتنعات ( فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية ) معنى ( كمال تعلق الإرادة وفضلها ) لكونها سابقة على تعلق القدرة وشرطها لحصولها ( وزيادتها ) أي زيادة تعلق الإرادة ( على تعلق القدرة ) فإن الإرادة والقدرة تتعلقان بإيجاد المعدوم الممكن وإعدامه والإرادة تتعلق بعدم ممكن الوجود في نفسه فكان ممتنع الوجود بإرادة اللّه ولا يقال ممتنع بقدرة اللّه بل يقال ممتنع بإرادة اللّه كالغفران للمشركين