مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

144

شرح فصوص الحكم

هود عليه السلام ( في القرآن ثم تممها ) هذه المقالة في بيان معناه وتحقيقه ( الجامع للكل ) أي لكل المراتب وهو ( محمد عليه السلام بما أخبر به عن الحق عز وجل بأنه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان أي هو ) أي الحق ( عين الحواس ) الظاهرة ( والحال ) إن ( القوى الروحانية أقرب ) إلى الحق ( من الحواس ) أي من القوى الظاهرة ( فاكتفى ) رسول اللّه ( بذكر الأبعد المحدود ) أي معلوم الحد وهو الحواس ( عن الأقرب المجهول الحد ) وهي القوى الروحانية فإنه لما كان الحق عين ما هو أبعد منه فبالحريّ أن يكون عين ما هو أقرب منه لذلك اكتفى رسول اللّه بذكره . والمراد بكون الحق عين الأشياء وعين قوى العبد اتحاده معها في بعض صفاته أو عبارة عن كمال القرب يدل عليه قوله الأقرب المجهول ، وقد بينا كيفية اتحاد الحق مع الأشياء وعينيته في غير موضع ( فترجم الحق لنا عن نبيه هود عليه السلام مقالته لقومه بشرى لنا وترجم رسول اللّه عن اللّه مقالته بشرى لنا فكمل العلم ) بهذه البشارات ( فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وما يجحد بآياتنا أي وما ينكر بدلائلنا ( إلا القوم الكافرون فإنهم ) أي الكافرين ( يسترونها ) أي يسترون ما جاءت به الشرائع من عند اللّه ( وإن عرفوا بها ) أي وإن عرفوا أنها حق لكنهم يسترونها ( حسدا منهم ونفاسة ) أي بخلا ( وظلما ) لأن ستر الحق بعد العلم ظلم وبخل وإياك وستر الحق والمراد من إيراد هذا الكلام في هذا المقام تعريض لأهل الحق الذين يعلمون الحق ثم يسترونه ولم يظهروه واعتذار في إظهار أسرار الحق وتحذير للسالكين في طريق الحق حتى لا ينكروا أحوال الأولياء من إظهار أسرار الحق بعد العلم بحقيقتهم وتوطئة لما يذكره من الآيات الدالة على وجود الحق مع كل موجود ( وما رأينا قط من عند اللّه في حقه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه ) أي إلى الحق يعني وما رأينا قط في آية أنزلها اللّه من عنده في حق نفسه وما رأينا قط في خبر عنه في حق نفسه الذي أوصله نبينا إلينا ( إلا ) وهو ملتبس ( بالتحديد تنزيها كان ) ذلك المنزل أو الخبر ( أو غير تنزيه ) فإن التنزيه عن التحديد ( أوّله ) أي أوّل التحديد ( العماء الذي ) أخبر رسول اللّه عليه الصلاة والسلام بأن اللّه كان في عماء ( ما فوقه هواء وما تحته هواء فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق ) فكان ذلك المقام أوّل ما ظهر من التعينات لذلك قال أوّله ( ثم ذكر ) الحق في القرآن العظيم ( أنه استوى على العرش فهذا تحديد أيضا ) ثم ذكر بلسان نبيه عليه السلام ينزل الحق ( إلى سماء الدنيا فهذا تحديد ثم ذكر أنه ) أي الحق ( إله في السماء وأنه إله في الأرض وذكر أنه معنا أينما كنا ) وقد حدد نفسه حتى أوصل تحديده في المبالغة ( إلى أن أخبرنا أنه ) أي الحق ( عيننا ونحن محدودون به ) وهو حدّنا ( فما وصف نفسه إلا بالحد ) في قوله كنت سمعه وبصره ( وقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ حدّ أيضا إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة ) أي لا تكون لإفادة إثبات المثل فحينئذ قد تميز عن المحدود ( ومن تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين