مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
140
شرح فصوص الحكم
ويدل على ثبوت قرب الحق من عباده قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي إلى الميت ( مِنْكُمْ ) فقد أثبت قربه من المخاطبين بإثبات أقربيته إليه ( وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) قربي منكم ومن كل شيء ( وإنما هو ) أي الميت صاحب القرب ( يبصر ) قربي منه وإنما يبصر صاحب هذه القرب ( فإنه ) أي لأن صاحب هذه القرب ( مكشوف الغطاء ) أي الحجاب عن بصره ( فبصره حديد ) يبصر ذاتي وصفاتي ويشاهد قربي إليه أما أنتم مكشوف الغطاء فبصركم ليس بحديد ( فما خص ) القرب ( ميتا من ميت أي ما خص سعيدا في القرب من شقي ) فدل ذلك على أن نعيم القرب عام في حق كل أحد سعيدا كان أو شقيا وكذلك يدل على عموم نعيم القرب قوله ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) أي إلى الإنسان ( مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ما خص إنسانا من إنسان ) بل يعم في حق كل إنسان سعيدا أو شقيا ( فالقرب الإلهي من العبد ) ثابت محقق ( لا خفاء به ) أي القرب ( في الإخبار الإلهي فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى ) فإذا كان الحق عين قوى العبد ( فهو ) أي هوية الحق الذي كان عين أعضاء العبد ذكر الضمير باعتبار الحق ( حق مشهود في ) صورة ( خلق متوهم فالخلق معقول ) بمنزلة المرآة ( والحق محسوس مشهود ) ظاهر فيه ( عند المؤمنين ) الذين قلدوا الأنبياء فيما أخبروا به من الحق قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حقهم في الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ( و ) عند ( أهل الكشف والوجود ) أي الوجدان فإنهم يشاهدون هذا المقام بالذوق ( وما عدا هذين الصنفين ) الذين اتبعوا في تحصيل معلوماتهم نظرهم الفكري ( فالحق عندهم معقول والخلق مشهود فهم ) أي فعلم هذه الطائفة ( بمنزلة الماء الملح الأجاج ) كلما ازدادوا علما ازدادوا شبهة بحيث لا يروي ولا يقنع علمهم كالملح الأجاج لا يرى لشاربه وقد أشار إلى افتراق المؤمنين من أهل الكشف أولا وإلى اتحادهما ثانيا بقوله : ( والطائفة الأولى ) علمهم ( بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ لشاربه ) إذ العلم الحاصل عن كشف الإلهي لا يحتمل خلافه فيروي لشاربه فإذا كان الناس طائفتين في العلم أهل الكشف وأهل الحجب ( فالناس على قسمين فمن الناس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها ) أي غاية طريقة الذي تنتهي إلى الحق وهم الذين وصلوا إلى نعيم القرب الحاصل لهم سلوكهم ( فهي في حقه صراط مستقيم ) لوصوله إلى مطلوبه ( ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي ) أي طريق هذا الشخص ( عين الطريق التي عرفها الصنف الأول فالعارف ) أي فعارف الطريق وغايتها ( يدعو ) الخلق ( إلى اللّه على بصيرة ) لعلمه الطريق وغايتها وهم الأنبياء صلوات اللّه عليهم والأولياء رضي اللّه عنهم الوارثون والمؤمنون أي المقلدون إلى الأنبياء ( وغير العارف يدعو ) الخلق ( إلى اللّه على التقليد والجهالة ) وهم الحكماء المقلدون عقولهم الجاهلون أي المنكرون بالإخبارات الإلهية في حق الحق المحرومون عن العلم عن كشف إلهي فلا يعلمون الطريق ولا غايتها