مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

141

شرح فصوص الحكم

وكذا المعتزلة فإنهم وإن لم ينكروا النصوص لكنهم يأوّلونها بمقتضى عقولهم فلا يقلدون الأنبياء عليهم السلام فيما أخبروا به بل هم المقلدون أدلة عقولهم كالحكماء فلا يحصل لهم العلم عن كشف إلهي ( فهذا ) أي العلم الحاصل لأهل الكشف ( علم خاص ) من علوم الأذواق ( يأتي ) أي يحصل لهم ( من أسفل سافلين لأن الأرجل هي السفل من الشخص وأسفل منها ما ) أي الذي ( تحتها ) أي تحت الأرجل ( وليس ) ما تحت الأرجل ( إلا الطريق ) ولا يحصل هذا العلم لنا إلا أن نجعل أنفسنا طريقا تحت أقدام الناس يعني أن نشرع طريق الفناء طريق التصفية . ولما بين أحكام مقام الفرق شرع في بيان أحكام مقام الجمع بقوله : ( فمن عرف الحق عين الطريق ) أي فمن عرف أن الحق هو عين الطريق ( عرف الأمر على ما هو عليه فإن ) تعليل وبيان لكون الأمر على ما هو عليه في هذه المسألة ( فيه ) أي في الطريق ( جل وعلا يسلك ويسافر ) في نفس الأمر ( إذ لا معلوم إلا هو وهو ) أي الحق ( عين السالك والمسافر فلا عالم إلا هو ) هذا باعتبار الأحدية الذاتية فإذا كان السالك والطريق والعالم والمعلوم وهو الحق ( فمن أنت ) استفهام إنكار أي أنت معدوم في نفسك ( فاعرف ) اليوم ( حقيقتك وطريقتك ) وتفوّت وقتك حتى لا تدخل لا لعرفان حقيقتك وطريقتك في حكم قوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ [ مريم : 86 ] فإذا عرفت ما قلناه فقد عرفت حقيقتك وطريقتك ( فقد بان ) أي فقد ظهر ( لك الأمر ) من اللّه على ما هو عليه وهو كون الطريق السالك والعلم والمعلوم عين الحق باعتبار أحدية الجمع ( على لسان الترجمان ) وهو نفسه لقوله حتى أكون مترجما لا متحكما أو الحق مترجما لنا عن نبيه هود عليه السلام مقالته وهي قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إلخ أو نبينا عليه السلام مترجما عن الحق مقالته وهي قوله : كنت سمعه إلخ وكذا جميع الأنبياء عليهم السلام والأولياء رضي اللّه عنهم ( إن فهمت ما ظهر ) من لسان الترجمان أي إن كنت ذا فهم ( فهو ) أي لسان الترجمان ( لسان الحق فلا يفهمه ) أي لا يفهم أحد لسان الحق ( إلا من فهمه ) بسكون الهاء ( حق ) حتى يفهم الحق من مطلقات كلام الحق فإن الشهود بأحدية الأشياء من مطلقات كلام رب العزة ومن مفهوماته الثابتة ولا يفهمه إلا العلماء باللّه وهم الذين كان الحق فهمهم وسمعهم وجميع قواهم وإنما دل على هذا المعنى لسان الترجمان ( فإن للحق نسبا كثيرة ووجوها مختلفة ) بالنسبة إلى شيء واحد بعضها ظاهر في العموم وبعضها خفي لا يظهر إلا لمن نوّر اللّه قلبه وكذلك بالنسبة إلى آية واحدة معاني كثيرة ووجوه مختلفة بعضها ظاهر يفهمه كل أحد وبعضها خفي لا يفهمه إلا من كان فهمه حقا فلا ينحصر معنى الكلام القديم على الفهوم الأول وهو ما يفهمه العموم بل لا بد من مفهوم ثان يفهمه الخصوص وهو الذي لا يباين لا ينافي المفهوم الأول ، فإن اللّه تعالى يعامل عباده في كلامه بحسب إدراكهم فكان في كلامه القديم إشارات لطيفة لا يفهمها إلا