مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
12
شرح فصوص الحكم
وتقديسها ( بالقيل الأقوم ) أي بالكلام الأبلغ الأفصح الجامع بين التشبيه والتنزيه على وجه الاعتدال بحيث لا ميل فيه إلى أحد طرفيه وهو القرآن الكريم بالنسبة إلى سائر الكتب السماوية ثم كلام الرسول بالنسبة إلى كلام الأنبياء من قبله فلا قصور في الإمداد أصلا وإنما القصور لو كان لكان في استعداد الناس فهذا الإمداد المخصوص أعظم سعادة ونعمة لنا من رسول اللّه لذلك خص التصلية به فلا يحتمل أن يكون اللام في الهمم للاستغراق إلا باعتبار أن محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم مظهر الاسم الأعظم ( محمد وآله وسلم ) يجوز أن يعطف الآل على ممدّ الهمم فيخرج عن الأمداد وعلى محمد فيدخل فيه وراثة وكلا المعنيين حسن . ولما فرغ من الحمد والتصلية شرع في بيان سبب التأليف وكيفيته كما هو دأب المصنفين فقال : « فإني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مبشرة أريتها في العشر الأخير من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة » أي رؤيا صالحة لوجود شرائطها في رائيها ( بمحروسة دمشق ) إشارة إلى عزلته عن الخلق بحيث لا عوائق له من الظاهر في ذلك الزمان ( وبيده صلى اللّه عليه وسلم ) خبر ( كتاب ) مبتدأ أي هذا الكتاب مختص بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحيث لا يشترك فيه يد غيره وهو أعظم كمالاته المختصة به والمراد بيان عظمة شأن الكتاب وعلوّ قدره وتنزهه عن المس الشيطاني باختصاصه وإضافته إلى يد رسول اللّه في رؤيا صالحة . « فقال لي رسول اللّه عليه السلام هذا كتاب فصوص الحكم » إضافة المسمى إلى اسمه فسمى الكتاب الحسي باسم الكتاب المثالي لتطابقهما معنى من غير زيادة ولا نقصان « خذه » فيضه عليه السلام وإلقاؤه ما في الكتاب على قلب الشيخ ( وأخرج به إلى الناس ) أمره بالإفاضة ونظم المعاني والألفاظ على الهيئة المأخوذة في الترتيب خالصا مخلصا عن الأغراض النفسانية والتلبيسات الشيطانية بعين ما وصل إليه ، يدل ذلك على أن كل ما ذكر قبل الشروع في إبراز الفصوص ليس من عند نفسه وتصرّفاته بل هو داخل في الكتاب المعطى له من يد رسول اللّه المشار إليه بقوله : هذا فصوص الحكم فيصدق على الكلام المذكور قبل الفصوص أنه من مقام التقديس المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس فيصدق هذا الكلام على نفسه وعلى كل جزء من الكتاب الصوري الشهادي من البسملة والحمدلة والتصلية وغير ذلك لذلك قال : فأوّل ما ألقاه المالك بالفاء المؤذن للارتباط إشارة إلى أن المذكور بعدها متصل بما قبلها يعني كل ذلك ظهر مني بأمر الرسول والإلقاء السبوحي ( ينتفعون به ) علة للإخراج أمر الناس بالانتفاع في صورة الأخبار وفيه من المبالغة ما ليس في الإنشاء فأمرنا بانتفاع الكتاب على الوجه الأبلغ ( فقلت السمع ) أخذه وقبوله هذا الفيض منه ( والطاعة ) تلقيه الأمر قبل الشروع بحسن القبول ووعده الجميل وهو الإخراج ( للَّه ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا ) تخصيص الطاعة بالمذكورين بالجمع المطلق إشارة إلى أن طاعة أحدهم عين طاعة الآخر فلا اختلاف في أصل الطاعة لأن الطاعة في الكل للأحكام الإلهية . وعطف رسوله