أحمد الفاروقي السرهندي

345

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

الذّات وما جعل قيامها بتلك الذّات ( فإن قيل ) لا قيام للأسماء والصّفات بأنفسها بل قيامها بالذّات تعالت وتقدّست فكيف يقوم الغير بها ؟ ( قلت ) إنّ الغير إنّما لا يقوم بها إذا كان موجودا وأمّا إذا حصل له ثبوت واستقرار في مرتبة التّوهّم فلم لا يكون قائما بهؤلاء فإنّه أضعف ؟ ( وما قلت وكتبت ) انّ ذات الممكن عدم فهو كقولنا الممكن لا ذات له ذاته عدم ولا ذات له كلاهما بمعنى واحد وإن أبدى التّحقيق الفلسفيّ تغايرا بين هذين المفهومين ولكن لا مفهوم له وفي الحقيقة مرجعهما ومآلهما واحد والعدم لا نفع فيه لنفسه وماذا يجدي لغيره ولا يقدر إمساك نفسه ؟ فكيف يمسك غيره ؟ وتحقيق المبحث أنّ عكوس الأسماء والصّفات لمّا ظهرت في مرآة العدم يرى قيامها في الظّاهر بتلك المرآة وتتخيّل المرآة كالذّات لها باعتبار قيامها بها وفي الحقيقة قيامها بأصلها لا تعلّق لها بالمرآة أصلا ولا شغل لها بمرآة العدم في غير التّوهّم وأين المجال لجوهريّة تلك المرآة وذاتيّتها ههنا ؟ والعدم لا قابليّة له لان يكون عرضا فكيف يكون جوهرا ؟ وهذا العارف تامّ المعرفة الواصل إلى مرتبة الذّات تعالت وتقدّست الحاصل له البقاء بالذّات الذي حكمه حكم عنقاء المغرب في جميع الأوقات لكونه عزيز الوجود وغريب الوقوع أعطى بعد الفناء والبقاء ذاتا يكون قيام ظلال الأسماء والصّفات وعكوسها الّتي هي حقيقته بتلك الذّات كما أنّ قيام أصولها الّتي هي الأسماء والصّفات بحضرة الذّات يكون قيام ظلال تلك الأسماء والصّفات بظلّ تلك الذّات الّتي أعطيها العارف فيكون ذلك العارف مركّبا من الجوهر والعرض ويكون سائر أفراد الممكن مجرّد الاعراض لا شائبة فيهم من الجوهريّة نعم ما قال صاحب الفتوحات المكّيّة من أنّ العالم أعراض مجتمعة قائمة بذات واحدة ولكن ذهل الشّيخ هنا عن دقيقتين إحداهما أنّه لم يستثن العارف الأكمل من هذا الحكم وثانيتهما أنّه جعل قيامه بالذّات الاحد والحال أنّ قيامه بأصله الذي هو الأسماء والصّفات لا بالذّات تعالت وإن كان قيام الأسماء والصّفات بالذّات فإنّ لحضرة الذّات كمال الاستغناء عن العالم فكيف يمكن قيام العالم بتلك الدرجة العليا ؟ وماذا يكون العالم حتّى يكون فيه هوس القيام بتلك الذّروة القصوى ؟ ما تماشا كنان كوته دست * * * * تو درخت بلند بالاى ومعاملة هذا العارف خارجة عن معاملة العالم وحكمه مستثنى من أحكام العالم وهو بحكم " المرء مع من أحبّ " نال بالمحبّة الذّاتيّة معيّة بأصل الأصل متجاوزا أصله وأفنى نفسه في أصل الأصول وأكرمه أكرم الأكرمين بمقتضى : هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان ببقائه مكافاة لفنائه وجعله باقيا بما قد فني فيه وصيّره مظهرا لذاته وأسمائه وصفاته وجعله مرآة جامعة فكان حكم سائر أفراد العالم في جنب هذا العارف العاشق حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط فإنّ الأسماء والصّفات لا قدر لها في جنب حضرة الذّات ولا مقدار وللقطرة قدر بالنّسبة إلى البحر وهؤلاء يمكن أن يقال ليس لها ذلك في جنب تلك ينبغي أن يقيس علم هذا العارف ومعرفته ودركه وإدراكه من ههنا بالنّسبة إلى الآخرين وأن يفهم ثمّة عظم شأنه