أحمد الفاروقي السرهندي

346

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

وعلوّ منزلته ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * « 1 » وهذا العارف الذي تشرّف بالبقاء الذّاتيّ وأعطى ذاتا يكون قيام صفاته مثل العلم والقدرة بها كما كان قيامها أوّلا بأصولها كسائر أفراد العالم لا يعود إليه بوجود هذا البقاء الأكمل إطلاق كلمة أنا الّتي قد زالت عنه ولا يقدر إطلاق أنا في مرتبة من مراتب البقاء فإنّ البقاء الأكمل متفرّع على الفناء الاتمّ الذي لم يترك من إطلاق كلمة أنا اسما ولا رسما ولم يبق له مجالا " الزّائل لا يعود " قضيّة مشهورة والذي يعود فليس هو بزائل بل كان مغلوبا ومستورا ثمّ قوي بعروض عارض وغلب فإنّ المغلوب قد يغلب ( ينبغي أن يعلم ) أنّ النّصيب من مرتبة الذّات - تعالت وتقدّست - مخصوص بهذا العارف الذي صار باقيا بحضرة الذّات وقامت به الصّفات وأيّ قسم من الفناء والبقاء حصّله غيره يكون نصيبه من الأسماء والصّفات لا من الذّات - تعالت وتقدّست - وإن لم يكن للأسماء والصّفات انفكاك عن الذّات تعالت ولكنّ النّصيب من الذّات غير النّصيب من الصّفات وإن أوقع عدم انفكاك الصّفات عن الذّات جماعة في توهّم اتّحاد النّصيب من الصّفات وعينيّته بالنّصيب الحاصل من الذّات ولكن لكلّ منهما علامات وأمارات على حدة وعلوم ومعارف مخصوصة لا يخفى ذلك لأرباب الوصول إلى هذه الدولة العظمى ولكن لا يخفى عليك أنّ التّجلّي الذّاتيّ ليس بمخصوص بهذا العارف بل يجوز أن يتيسّر التّجلّي الذّاتيّ لغيره أيضا ولكن لا يكون له نصيب من نفس الذّات فإنّ التّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة فإنّه ظهور في مرتبة ثانية والنّصيب من نفس الذّات الذي مرّ ذكره لا يتحمّل شائبة من الظّلّيّة ويكون هاربا عن نفس التجلي والظهور أيضا ظهور الذّات بصفة من الصّفات هو أيضا ظهور الذّات في مرتبة ثانية ولكنّه ليس تجلّيا ذاتيّا بل تجلّي اعتبار من اعتبارات الذّات - تعالت وتقدّست - فإنّ الذّات عزّ شأنهاجامعة لجميع الاعتبارات بل منزّهة عن الجميع فلا يكون تجلّي اعتبار من الاعتبارات تجلّيا ذاتيّا ( فإن قيل ) إنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ - قدّس سرّه - وتابعوه قدّس اللّه أسرارهم قالوا للتّعيّن الاوّل تعيّنا ذاتيّا وهو ظهور الذّات بالتّعيّن العلميّ الجمليّ الذي هو اعتبار من اعتبارات الذّات وإن كانت له جامعيّة ( أجيب ) انّ معتقد هذا الدرويش هو أنّ هذا الظّهور العلميّ الجمليّ الذي عبّروا عنه بالتّعيّن الاوّل ليس هو أيضا تجلّيا ذاتيّا بل هو تجلّي شأن من شئونات الذّات والذّات جامعة لجميع الشّئون والاعتبارات بل فوق جميع الشّئون والاعتبارات واعتبار العلم هناك كسائر اعتبارات الذّات الّتي أيدي وصولها قاصرة عن ذيل غنا تلك المرتبة المقدّسة ( فإن قيل ) إنّ الظّهور في مرتبة ثانية مقصور على العلم فإنّ في الخارج نفس الذّات تعالت فيكون ظهورها في مرتبة ثانية في موطن العلم فإنّ الظّهور إمّا في العلم أو في الخارج ولم يبيّن الشّقّ الثالث حتّى يثبت فيه الظّهور ( قلت ) إنّ القادر الذي ظهر بشأن العلم الذي هو اعتبار من اعتبارات الذّات يقدر أن يظهر على نهج يكون ظهور اعتبار العلم بعضا من ذلك الظّهور الجامع بل يظهر على نهج لا يكون لاعتبار العلم ولا

--> ( 1 ) - الآية : 54 من سورة المائدة والآية : 21 من سورة الحديد والآية : 4 من سورة الجمعة .