أحمد الفاروقي السرهندي

307

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

لا يحصل اتّصاله مع اللّه والفناء والبقاء أحوال للعرفاء غير ما فهمها العقلاء وزوال العين والأثر له معنى لا يفهمه إلّا من رزق ذلك كما سيجيء تحقيقه فاستمع كلام هذه الطّائفة بحسن الظّنّ والقبول ولا تفهم منه مدلوله الظّاهريّ ومدلوله المطابقيّ فإنّه ربّما تغلط فيه غلطا فاحشا فتضلّ وتضلّ واللّه سبحانه الموفّق الملهم للصّواب . ( فإن قلت ) قد جوّزت زوال العين والأثر من الإنسان فما تقول فيما جاء في القرآن المجيد في شأن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ * « 1 » وما جاء في الحديث النّبويّ " إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر " وليس هذا إلّا لبقاء الأثر من الإنسانيّة ( قلت ) ليس كذلك ولا دلالة فيه على بقاء الأثر إلّا أنّه لمّا أريد إرجاع الإنسان الكامل بعد الفناء والبقاء إلى العالم ودعوة الخلق إلى الحقّ سبحانه ركّبت فيه الصّفات البشريّة والخصائص الإنسانيّة الزّائلة بعد كسر صورة تلك الصّفات لتحصل المناسبة بينه وبين العالم بعد ما زالت ويفتح اللّه باب الإفادة والاستفادة بينه وبين العالم بتلك المناسبة والحكمة الأخرى في إرجاع هذه الصّفات البشريّة والحاقها بعد زوالها ابتلاء المكلّفين واختبار المدعوّين ليميز الخبيث من الطّيّب ويعتزل المكذّب من المصدّق ويحصل الإيمان بالغيب بعد ما لبس الامر وستر الحال برجوع تلك الصّفات قال اللّه تبارك وتعالى وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 2 » ( فإن قال قائل ) ما معنى زوال العين والأثر من الإنسان الكامل والحال أنّ ظاهره دائم على الصّفات البشريّة يأكل ويشرب وينام ويستريح ؟ قال اللّه في شأن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ « 3 » ( قلت ) الفناء والبقاء من صفات الباطن لا تعلّق للظّاهر بهما بالأصالة فإنّ الظّاهر دائم على أحكامه والباطن ينخلع ويتلبّس ( فإن قيل ) لطائف الباطن متعدّدة كلّها متحقّقة بالفناء والبقاء أو بعضها فأيّ بعض هو ؟ ( قلت ) المتحقّق بهما إنّما هو لطيفة النّفس الّتي هي في الحقيقة حقيقة الإنسان المشار إليها بإشارة قول أنا فهي الامّارة بالسّوء أوّلا والمطمئنّة آخرا والقائمة بعداوة الرّحمن جلّ شأنه ابتداء والرّاضية به والمرضيّة عنها انتهاء فهي شرّ الأشرار وخير الأخيار زاد شره شرّ إبليس وزاد خيره على خير أهل التّسبيح والتّقديس ( تنبيه ) ليس معنى الفناء والزّوال هو الفناء الوجوديّ والزّوال الوجوديّ ومعنى البقاء باللّه هو زوال الإمكان من الممكن رأسا وحصول الوجوب له ثانيا فإنّه محال عقليّ والقول بذلك كفر بل هو خلع ولبس مع بقاء الإمكانيّة مثل خلع ولبس أثبته أرباب المعقول في العناصر بطريق الكون والفساد إلّا أنّهم أبقوا هيولاها ثابتا في الحالين مع تبدّل الصّور النّوعيّة ونحن لا نقول بالهيولى ولا بثبوته بل نقول إنّ الفناء والبقاء إعدام وإيجاد من القادر المختار جلّ شأنه جاء في الخبر " لن يلج ملكوت السّموات من لم يولد مرّتين " كأنّه أشار إلى الإيجاد

--> ( 1 ) - الآية : 110 من سورة الكهف . ( 2 ) - الآية : 9 من سورة الأنعام . ( 3 ) - الآية : 8 من سورة الأنبياء .