أحمد الفاروقي السرهندي
286
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
الحمد للّه ربّ العالمين دائما وعلى كلّ حال إيّاكم والتّوحّش والتّضجّر من سماع الاخبار الموحشة فإنّ كلّ ما يصدر عن الجميل المطلق يكون حسنا ومليحا وإن كان ظهوره بصورة الجلال ولكنّه في الحقيقة من الجمال لا تحملنّ هذا الكلام على التّقوّل ولا تصرفنّه إلى الفتوّة بل له تمام الحقيقة وكمال اللّبّ لا يصحّ بالتّكلّم والكتابة فإن تيسّرت الملاقاة في الدنيا فبها وإلّا فمعاملة الآخرة قريبة وبشارة " المرء مع من أحبّ " مورّثة التّسلّي للمهجورين ووصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الدرويش محمّد علي الكشميريّ وإطّلعنا على ما كتبتم وكتبنا في جوابه ما يسعه الوقت ليكن الأولاد والأحباب على جمعيّة ثابتين في مكانهم راضين بقضاء اللّه تعالى . ( 38 ) المكتوب الثامن والثلاثون إلى الملّا إبراهيم في جواب سؤاله عن معنى حديث " ستفترق أمّتي " الحديث ودرجة أرباب الفقر ينبغي أن يعلم : أنّ المراد من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم " كلّهم في النّار إلّا واحدة " الواقع في حديث " ستفترق أمّتي إلى اثنين وسبعين فرقة " دخولهم في النّار ومكثهم في عذابها مدّة لا خلودهم في النّار ودوامهم في عذابها فإنّ ذلك مناف للإيمان ومخصوص بالكفّار غاية ما في الباب أنّه لمّا كان الباعث على دخولهم في النّار معتقداتهم السّوء يدخل كلّهم فيها بالضّرورة ويعذّبون على مقدار خبث اعتقادهم بخلاف الفرقة الواحدة المستثناة فانّ اعتقادهم موجب للنّجاة من عذاب النّار سبب لفلاحهم ولكن إذا ارتكب بعض منهم الأعمال السّيّئة ولم يعف عنه بالتّوبة أو الشّفاعة يجوز أن يعذّب بالنّار بقدر ذنبه ويتحقّق الدخول في النّار في حقّه فدخول النّار في سائر الفرق شامل لجميع الافراد وإن انتفى الخلود وفي حقّ الفرقة النّاجية مخصوص ببعض مرتكب المعصية وفي كلمة " كلّهم " رمز إلى هذا البيان كما لا يخفى وحيث انّ هذه الفرق المبتدعة من أهل القبلة لا ينبغي الجراءة في تكفيرهم ما لم ينكروا لضّروريّات الدين ولم يردّوا ما ثبت من الاحكام الشّرعيّة بالتّواتر وقبلوا ما علم مجيئة من الدين بالضّرورة قال العلماء : لو وجد في مسالة تسعة وتسعون وجها توجب التّكفير ووجه واحد ينفيه ينبغي تصحيح هذا الوجه وأن لا يحكم بالكفر واللّه سبحانه أعلم وكلمته أحكم ( وأيضا ينبغي أن يعلم ) أن المراد من نصف اليوم الذي يدخل فقراء هذه الامّة قبل الأغنياء بتلك المدّة في الجنّة هو خمسمائة سنة من سني الدنيا فإنّ اليوم عند اللّه تعالى الف سنة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 1 » شاهد
--> ( 1 ) - الآية : 47 من سورة الحج .