أحمد بن ابراهيم النقشبندي
97
شرح الحكم الغوثية
الدنيا ، وتحسين الأخلاق مع الخواص والعوام بمعاملة كل شخص بما يناسبه ، ويقابل السيئة بالحسنة ، ويصل من قطعه ، ويعطي من حرمه ، ويعفو عمّن ظلمه . إن بلغه من أحد إساءة ، أو وصله مذمة ؛ قال لمؤذيه أو المسئ إليه : اللّهمّ اهد فلانا فإنه لا يعلم ، يقتدي في ذلك بخير من أرشد إلى الصواب ، وعلم حيث شج الكفار رأسه الشريف ، وكسروا رباعيته ، فقال الصحابة رضي الله عنه : ادع عليهم يا رسول اللّه ، فقال : « اللّهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » « 1 » . وهذا الفعل ينشأ من التحقّق بكمال التوحيد ، فإن من لم يشهد إلّا فعل مولاه ؛ كيف يعتريه غضب أو حقد لسواه ، إذا ما رأيت اللّه في الكل فاعلا ؛ رأيت جميع الكائنات ملاكا . فمن يلبس ملابس مثل هذا التوحيد ؛ كيف يصح له دعوى مقام التفريد ، ومن لم يلبس هذه الملابس كيف يصح منه أن يكون للحكم في القلوب غارس . ضرب جندي رأس ابن أدهم رضي الله عنه ، فلمّا علم الجندي أنه إبراهيم ابن أدهم ؛ شرع يقبّل يده ، ويعتذر إليه ، ويسأله المسامحة . فقال له : إنك أول ما ضربتني دعوت لك . فقال : كيف يا سيدي ؟ قال : فإنك صرت سببا لدخولي الجنة بهذا الفعل ، فلا أكون سببا لدخولك النار ، فتأدّب الجندي مما كان عليه لما سمع هذا الكلام من إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه . فانظر يا أخي هذا الكلام من هذا العارف كيف إنه لمّا لبس ليخلع هذه اللطائف ، ولو أغلظ له في المقال لأبعده عن مثل هذه النوال ؛ ولذلك قال اللّه تعالى في وصفه صلى اللّه عليه وسلم : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] ، فدلّت الآية على عدم الفظاظة ، والعفو عن الإخوان والاستغفار لهم ، ومشاورتهم في الأمور من محاسن الأخلاق المحمّدية ، الدالة على عظيم قدر من تلبّس بها ، وجعلها له مطية .
--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 3 / 432 ) ، والطبري في تفسيره ( 22 / 161 ) .