أحمد بن ابراهيم النقشبندي
95
شرح الحكم الغوثية
--> هذا إن لم تتعلق محبة بجميع المخلوقات ، فإن تعلقت بذلك ومن جملتهم هؤلاء الأصناف فقد يكون ذلك خديعة نفسه ، وميزانه أن لا يستوحش عند مفارقة أحد ؛ لأنه لا يخلو عن مشاهدة خالقه في أي مخلوق كان ، فمحبوبه معه ما فارقه ، فإن العين واحدة ، والمحب لو غاب عضو من أعضاء محبوبه مع بقاء عينه معه لم يجد ألما ، والخلق كلهم أعضاء بعضهم لبعض ، فإن تعلّق بجميع المخلوقات ، ثم بهؤلاء الأصناف ، ولم يجد مزيدا في تعلقه بهم بل أدخلهم في عموم التعلق فذلك لا يضر ، وكذا إن جر به الطبع في هؤلاء الأصناف حتى وجد ألما عند فقدهم بالخصوص ، فذلك لا يضر في خلوص تعلقه الإلهي وصحته ؛ لأن الأصل صحيح فلا يضره ما عرض ، بخلاف ما لو تعلق أولا بهؤلاء الأصناف ثم حصل عنده عموم التعلق ، فلا يعول عليه بل هو تلبيس من النفس ينبغي الحذر منه فينزل عن صحبة هؤلاء الأصناف جملة واحدة . واعلم : أن التعلق بغير هؤلاء الأصناف قد يكون فيه مكر إلهي خفي ، ولا يعرف ذلك حتى يفرق بين الصحبة للّه والصحبة لشهوة الطبع ، ولا يفرق بينهما إلا أن يصحب العلماء باللّه أهل الورع ، أو شيخه إن كان من أهل الأذواق . وكلامنا هذا إنما هو مع أهل الطريق ، والإنسان إذا أنصف لربه من نفسه ، ولنفسه من نفسه عرف حاله ، بل كان أعرف بحاله من غيره ، إلا من العارفين باللّه تعالى ، فإنهم أعرف به من نفسه ؛ لأن لهم أعينا في قلوبهم فتحتها لهم المعرفة ، يرون بها منك ما تجهل أنت من نفسك ؛ إذ ليس لك تلك العين . ولذا قال الجنيد : العارف من ينطق عن سرك وأنت ساكت ، والسكوت عدم الكلام : أي يعرف منك ما لا تعرفه من نفسك ، كما يعرف الطبيب منك إذا نظر إليك ما لا تعرفه ، وهؤلاء أطباء النفوس . واعلم : أن الشيوخ إنما حذروا من أخذ الإرفاق من النساء ومن صحبة الأحداث لما ذكرناه من الميل الطبيعي ، فلا ينبغي للمريد أن يأخذ أرفاقا من النساء حتى يرجع في نفسه امرأة ، فإذا تأنّث والتحق بالعالم الأسفل ورأى تعشق العالم الأعلا به ، فلا يشهد نفسه في حال كشفه الصوري أنه رجل أصلا بل أنوثته محضة ، ويحمل من ذلك النكاح ويلد ، فحينئذ يجوز له أخذ الرفق من النساء ولا يضره الميل إليهن وحبهن . وأما أخذ العارفين فمطلق ؛ لأن مشهودهم اليد الإلهية المقدسة المطلقة في الأخذ والإعطاء ، وكل شخص يعرف حاله ، والطريق صدق كله ، وجد لا يقبل الهزل ولا الطفيلي وإن سامح الحق