أحمد بن ابراهيم النقشبندي

9

شرح الحكم الغوثية

وظنّ أني هربت من النصارى ، فرمى بمسمار في رأس قصبة في البحر ، فأخرج لي حوتا ، وشواه لي فأكلته ، فكان كلما جعت فعل معي كذلك . ثم قال لي : يا هذا ، أراك تروم أمرا ، وإن اللّه لا يعبد بالجهل ، اذهب إلى الحاضرة لتتعلم دينك . قال : دخلت مدينة سلا ، ثم مراكش ، فأدخلني الأندلس الذين كانوا بها في جملة الأجناد ، وكتبوني في ديوانهم ، فكانوا يأكلون الطعام ولا يعطوني منه إلا القليل ، أو قال : اليسير . فقال لي بعض النصحاء : إن أردت أن تتفرّغ لدينك فعليك بمدينة فاس ، فتوجّهت إليها . ولزمت جامعها : يعني جامع القرويين ، وتعلّمت الوضوء والصلاة ، وكنت أجلس على حلق الفقهاء والمذكرين ، فلا أثبت على شيء من كلامهم إلى أن جلست إلى شيخ ثبت كلامه في قلبي . فسألت : من هو ؟ فقيل لي : أبو الحسن بن حرزهم ، فأخبرته أني لا أحفظ إلا ما سمعته منه خاصة ، فقال لي : هؤلاء يتكلّمون بأطراف ألسنتهم فلا يجاوز كلامهم الآذان ، وأنا قصدت اللّه بكلامي فيخرج من القلب ويدخل القلب ، ثم ذكر ما قدّمناه من زيارته لأبي يعزى إلى آخره في الباب الذي قبل . وقال أبو عليّ حسن بن محمد الغافقي الصوّاف : وكان قد صحب أبا مدين نحوا من ثلاثين سنة ما فارقه إلى أن مات ب « يسير » ؛ كذا ذكره ابن الزيات قال : سمعت الشيخ أبا مدين يقول : كنت بقطنيانة فأردت التخلّي عن الدنيا ، فسرت قاصدا نحو بحر المغرب ثلاثة أيام أو أربعة أيام ، فلاحت كدية على البحر عليها خيمة ، فخرج إليّ منها شيخ وليس عليه إلا ما يواري به . أو قال : ما يستر عورته ، فنظر إليّ ، وظن أني أسير فررت من أرض الروم ، فسألني عن شأني فأخبرته ، فأخذ حبلا وربط في طرفه مسمارا ، فرمى به في البحر فأخرج حوتا شواه لي ، فأكلته فأقمت عنده ثلاثة أيام كلما جعت .