أحمد بن ابراهيم النقشبندي
87
شرح الحكم الغوثية
عائق ، وإن أردت الميزان النافع ؛ فاختبر من تقصده بميزان الشرائع « 1 » .
--> ( 1 ) ومن حكم سيدي محمود الكردي فيما يشابه حكمة سيدي أبي مدين هذه ، قوله رحمه اللّه : « مجالسة العلماء تزيد العرفان ، ومجالسة الجهلاء تنقص الإحسان ، لا تخالط الأحداث إلا بعد الكمال ، ولا تمل إلى النساء إن كنت طالب الوصال » . فقال الشيخ الشرقاوي رحمه اللّه : « مجالسة العلماء » خصوصا العلماء باللّه تعالى العارفين به وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ ص : 24 ] . فقد سئل الجنيد عن العارف فقال : « لون الماء لون إنائه » . أي هو متخلق بأخلاق اللّه حي كأنه هو ، وما هو هو ، وهو هو ، فالعارف عند الجماعة : من أشعر نفسه الهيبة والسكينة ، وجعل أول المعرفة للّه ، وآخرها ما لا يتناهى ، ولم يدخل قلبه حق ولا باطل وغاب عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق ، فلا يشهد غير اللّه ، ولا يرجع إلى غيره ، فهو يعيش بربه لا بقلبه ، وأفسدت المعرفة الداخلة قلبه أحواله التي كان عليها ، بأن يقلبها اللّه تعالى إليه ، لا بأن يعدمها ، فإنها عند الجماعة لا تنعدم قال تعالى : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [ النمل : 34 ] فلا حال عندهم للعارف ؛ لمحور رسومه ، وفناء هويّته ، وغيبة أثره ، وهو منقطع منقمع ، عاجز على معروف ، خائف متبرم بالبقاء في هذا الهيكل ، وإن كان منورا لما عرّفه الشارع : أن في الموت لقاء اللّه ، فتنغصت عليه الحياة الدنيا شوقا إلى ذلك اللقاء فهو صافي العيش كدر طيب الحياة في نفس الأمر لا في نفسه ، قد ذهب عنه كل مخلوق ، وهابه كل ناظر إليه ، ذو أنس باللّه ، معه تعالى بلا فصل ولا وصل ، حي القلب قلبه مرآة للحق ، حليم محتمل ، فارغ من الدنيا والآخرة ، ذو دهش وحيرة ، يأخذ أعماله عن اللّه ، ويرجع فيها إليه ، بطنه جائع ، وبدنه عار ، لا يأسف على شيء ، لا يرى غير اللّه ، تبكي عينه ويضحك قلبه ، فهو كالأرض يطأها البار والفاجر ، وكالسحاب يظل كل شيء ، وكالمطر يسقي كل ما يجب وما لا يجب ، لا تمييز عنده ، لا يقضي وطره من شيء ، بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه ، يضيع ما له ويقف مع ما للحق ، لا يشتغل عنه طرفة عين ، عرف لربه بربه ، مهدي في أحواله ، لا تلحظه عين الأغيار ، ولا يتكلم بغير كلام اللّه ، مستوحش من الخلق ، ذو فقر وذلة ، يورث غنى وعزة ، معرفته طلوع حق على الأسرار ومواصلة الأنوار ، حاله فوق ما يقول ، استوت عنده الحالات في الفتح ، يفتح له على فراشه كما يفتح له في صلاته ، وإن اختلفت الواردات بحسب المواطن ، دائم الذكر ، ذو لوامع تسقط التمييز ، لا يكدره شيء ، ويصفو به كل شيء ، تضيء له أنوار العلم ؛ فيبصر بها عجائب الغيب ، مستهلك في بحار التحقيق ، صاحب أمواج تغط فترفع