أحمد بن ابراهيم النقشبندي

82

شرح الحكم الغوثية

والآصال ؛ ولذلك أوصى حضرة الخواجة بهاء الدين نقشبند قدّس اللّه سرّه بوصيتين هما للسالك كالعينين والأذنين : أحدهما : إن السالك لو وصل إلى أي محلّ وصل ؛ لا يرى نفسه إلّا في أول قدم . من الطريق الثاني : إنه لو نال من السلوك أعلى المراتب ؛ لا يرى نفسه إلّا أنها أقل من نفس فرعون بمائة مرة ، وإن لم يرها كذلك ؛ فليس له في السلوك نصيب . فانظر إلى هاتين الوصيتين يا أخي تجد السالك محتاجا إليها ؛ كاحتياجه للسمع والبصر ، بل أشد وأكثر ، فإنه متى أخطأها أصابه العطب ؛ وهو أشدّ المهلكات ، كما شهد بذلك سيد الكائنات حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات ؛ فأمّا المنجيات : فتقوى اللّه تعالى في السرّ والعلانية ، والقول بالحق في الرّضا والسخط ، والقصد في الغنى والفقر ، وأمّا المهلكات : فهوى متّبع ، وشحّ مطاع ، وإعجاب المرء بنفسه ؛ وهي أشدّهنّ » « 1 » . وفّقني اللّه وإيّاك يا أخي ، وسائر السالكين لنيل هذه الأذواق ، ولا يحرمنا من السير في هذه القافلة ، ويسّر لنا بفضله مطايا السباق . والعلامة الثالثة : النظر إلى أعمالك وأقوالك بعين الافتراء ، وهذه أيضا راجعة إلى عدم الرضا عن النفس ، فإن لم يرض عنها لم يرض عن أحوالها ، وهو شهود الأحوال بعين الدعوى ، ولم يرض عن أقوالها ؛ وهو شهود الأقوال بعين الافتراء ، فإذا فعل ذلك ، وتحقّق بما هنالك ؛ كان خارجا عن أفعاله وأحواله وأقواله ، ومن كان كذلك كان خارجا عن أفعاله وأحواله وأقواله ، ومن كان كذلك فقد خرج عن أوصاف بشريته ، وتحقّق بمقام عبوديته ، وبه يرتقي إلى مسراه ، وينال من ربه ما يتمناه . ويوضح ذلك ، ويدلّ عليه قوله تعالى في حقّه صلى اللّه عليه وسلم : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] . حيث أشار تعالى بأن الوصول إلى مقام الإسراء لا ينال إلّا بالعبودية ؛ وهي الخروج عن أوصاف البشرية ، والآية وإن كانت نازلة في شأنه صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولكن لوارثيه من ذلك نصيب ؛ إذ كما إنه صلى اللّه عليه وسلم أسري ، كذلك لوارثيه إسراء يناسب استعدادهم ، نالوه

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 5 / 452 ) ، والحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 7 ) .