أحمد بن ابراهيم النقشبندي
75
شرح الحكم الغوثية
--> إذا جئت في كلّ الأمور بغمّة * فكن هكذا أرضا يطأوها الذي يدري ومن أعجب الأشياء أنّك لا تدري * وأنّك لا تدري بأنّك لا تدري ومن وصايا سيدي محيي الدين قدّس اللّه سرّه لتلميذه سيدي إسماعيل بن سودكين رحمه اللّه على ما نقله في « لواقح الأسرار ولوائح الأنوار » الذي جمعه من كلام الشيخ : ومتى ذكرت الفائدة لشخص ما فلا تذكرها من كونك أعلم منه ولا أفضل ، فتحجب بذلك ، وتقوم بشغوفك عند نفسك ، بل اذكر له الفائدة بالنظر إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار » ، وبنية نشر العلم ، والإنفاق منه والتناصح ، والنظر إلى قوله : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] ، فمن الوفاء بالميثاق بذل العلم الذي ينتفع به سامعه خاصة ، واللّه أعلم ، فتكون قد ذكرت واجبة بلسان الشرع ، ومتى أنكرت على شخص منكرا محقّقا في الشريعة منصوصا عليه لا تجد لك مخرجا ، ولا بد من إنكاره شرعا ، فلا تنكر عليه بطبعك ولا تعنّفه ، بل قل برفق : إن الشرع قد نهى عن مثل هذا ، لا تقل له : أنت على خطأ وأنت مخالف ، بل ارفق به ما استطعت . قلت له : يا سيدي ألست تعلم من نفسك ما فضّلها الحقّ به على من هو دون مرتبتك ؟ ! فقال : اعلم أن صفة العلم التي قامت بي أفضل من صفة الجهل التي قامت بغيري ؛ فالصفة أفضل من الصفة مطلقا ، والحال أفضل من الحال ؛ لأن الموصوف أفضل من الموصوف ، كيف والأحوال تحول وتسلب وتؤخذ من محلّ تعطى لمحلّ آخر ، فلا يفضّل بين الذوات المصوفة إلا بأمر إلهيّ يعرفك بها اختصاصه ، وقد علمت أن البعوضة لها وجه إلى الحق تقبل بذلك الوجه على الحق ما تقبل ؛ فانظر إليها من ذلك الوجه توفّها حقها ؛ ولتعلم إن كان قبولها كل ما يقدره من الاختصاصات والقرب مع مشاركتها لك في الحدّ والحقيقة ، وانظر إلى أدب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي علمه التأدب به بقوله : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : 110 ] ، فتسمّى بالاسم الذي يشاركه فيه جميع الخلق ، ولم يتسمّ بأعلى أوصافه من النبوة والرسالة ، وغير ذلك ، كل ذلك مراعاة لمقام العبودية التي خلق لأجلها ، ولم يؤمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بإظهار مرتبته بقوله : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » ، ما أظهرها عليه الصلاة والسلام اه . وقول الطائفة : العلم حجاب : أي العلم بالمعلومات والاشتغال بها حجاب عن العلم بالذات الذي من السيد الأعظم بطلب الزيادة منه ، أو يقال : المراد بالعلم علم اليقين ؛ إذ هو حجاب عن العلم : أي عن علم عين اليقين ، وعلم عين اليقين حجاب عن علم حق اليقين ، وقيل : حجاب عن الجهل ، وقيل : حجاب عن الوقوع في المعاصي مع الإصرار عليها ، وهو