أحمد بن ابراهيم النقشبندي

74

شرح الحكم الغوثية

--> هو ربيع المؤمن زور الزوائد ، وفي خريف اجتناء الثمار عود العوائد ، وفي ربيع الأرواح والأجسام ادّخار طلب الأعمال ليوم الشدائد ، وكل ما مضى لا يعاد ، ومريض عين القلب كالعين لا يعاد ، وكل ما عاين منها حب الرئاسة على الأقران والتميز ما بين الخلان والتصدر في المجالس والمماراة والمجادلة مع كل مجالس ونهاها عن هذه الصفات القبيحة تبدي له الأعذار بأن مرادها المذاكرة والمطارحة ، وما شابه ذلك من الأوجه الصحيحة ، وإذا ألزمها الحجة وعرّفها أنها خلت المحجّة استدلت عليها بقول القائل من الأوائل : طلبنا العلم لغير اللّه ، فأبى أن يكون إلا للّه ، وهو قول صحيح وحكم رجيح وله وجهان : إما أن يردّ صاحبه إلى الإخلاص في النية ؛ فيكون الحق سبحانه أحسن إليه ولطف به ، وهذا غير واقع لكل من طلب العلم بغير إخلاص . وإما أن يكون المعنى أن العلم كان نورا من أنوار اللّه يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ، وقد عصى صاحبه بطلب العلم لغير اللّه ، وامتنع العلم أن يستقر في ذهنه ؛ لأنه عاص ، والعلم نور من نور اللّه ، ونور اللّه لا يؤتى لعاص . وقد أنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه وألهمه أن يكون في الموقف شافع : شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور * ونور اللّه لا يهدى لعاصي وكيف يثبت وصف العلم لعالم قصد بتعليمه غير اللّه ، وهو قد ارتدى برداء الجهل المنافي لوصف الجهل ! أم كيف يتحرك جسد المعلم بدون روح الإخلاص ؟ ! وقد يقال في المعنى : طلبنا العلم ليكون قائدا لنا لغير اللّه من حظوظنا ، فأبى أن يكون موصلا لنا إلا إلى اللّه ؛ لأن طلب غير اللّه جهل ، وكيف يدل العلم على الجهل والجهل ظلمة والعلم نور ؟ ! وكيف النور يهدي إلى الظلمة ؟ ! وليس العجب من فاضل بعلمه أعجب ، إنما يتعجب من جاهل متلبس لدعواه ، وهذا أعجب ؛ إذ هو المسمى بالجهل المركّب ، وهو الأحمق بعينه الذي يجتنب ؛ فإن الرجال في المعرفة على أربعة أقسام كما ذكره أحد الأعلام فقال : رجل يدري ، ولا يدري أنه يدري ، فهو عالم ؛ فاتّبعوه ، ورجل لا يدري ، ولا يدري أنه لا يدري ، فهو أحمق ؛ فاجتنبوه ، وقد أنشد أبو القاسم الآمدي رحمه اللّه في هذا المعنى : إذا كنت لا تدري ولم تكن بالذي * يسأل من يدري فكيف إذا تدري جهلت ولم تعلم بأنّك جاهل * فمن لي بأن تدري بأنّك لا تدري