أحمد بن ابراهيم النقشبندي
73
شرح الحكم الغوثية
--> لتكون متنبه لرئيها حازمة ، وعلى طلب الكمال الداعية له جازمة ، ولما تغافلت عن قول العارف القليل أمثاله لا تصحب إلا من ينهضك حاله ، ويدلك على اللّه مقاله ، وأين النهيض والدلالة عند من لا شبيه لها إلا البقرة الجلالة ، والتي عندها في عاداتها فطنة الأعراب ، ولها عند إراداتها يقظة النحويين الأعراب ، وأما مواعيدها العرقوبية فلمع سراب ، وأما مودتها فمودة السوفة مع الأصحاب ، ولها في طلباتها مودة ، ومع نصّاحها فمودة صحبة السفيه ، لا تكتم السر إلا كما يكتم الزجاج ، ولا تخفي ما استودع إلا كما يخفي السراج ، إذا طلبت طريق المعاصي كانت أهدى من القطا ( 2 ) ، وإن رامت سبيل التواصي لتهدي الصواب ضلّت ، وساعدتها الخطا للخطا ؛ فهو كتيم في ذلك الوصف الذميم . قال الطرماخ تميم : بطرق اللوم أهدى من القطا * ولو سلكت طريق المكارم ضلّت أحاديثها أحاديث خرافة * وعندها الحراقة والحراقة ومن جملة دسائسها أن تحرّض صاحبها على طلب العلم الزائد على قدر الواجب المثمر بالفوائد ، وتسرد عليه ما جاء في فضل العلم ، وأن النفع المتعدي أبلغ من القاصر كالصفح والحلم ، فإذا جدّ وجد ، فأدرك بعض ما أمل بالجهد والكدارة غيوب الجهلاء الذين لم يدركوا ما أدرك ، وصغّرتهم في عينيه ؛ فرآه كالذر أو شيئا لا يدرك ، ولم تزل تعظم نفسها بما فارقت به من المعارف ، حتى تتنكر وتتكبر على الأجانب والمعارف ، فإذا نبّهها وقال لها : ما هذا العجب بعلمك وعملك ، وما هذا الزهو والفخر الذي ما جمّلك بل الأوزار حمّلك ؟ ! أما سمعت قول النبيه المنبّه للعاقل الذي نفسه ساحرة وبه ساخرة : يا من تقاعد عن مكارم خلقه * ليس التفاخر بالعلوم الفاخرة من لم يهذّب علمه أخلاقه * لم ينتفع بعلومه في الآخرة فتنكر إعجابها ، وربما على نفيه تقسم ، أو تصرف بنقصها ؛ كي ما عنها مادة العتاب تحسم ، وإذا رآها تطلب العلم ولم تعمل ودعا لها تسوّف وتقول : الآن الطلب أجمل والتعلم أشرف العبادات وأكمل ، فإذا قضيت منه الأرب كابدت العلم ؛ كي ما به تجمل ، وكل هذا من باب التسويف والتحريف ، حتى يأبى زمان الصبا ، ويأتي المشيب بسيوله الموجبة للتخريف ، ويتبعه الضعف ، فيستحق صاحبها التقريع والتعنيف ، توعده بالإقبال مواعيد كمونية ، وربيع الزمان والشباب غضّ ، فإذا وليا عنه وذهبا ورأى نفسه صفر اليدين ما استفاد فضة ولا ذهبا ، على السبابة بالنواجذ عضّ ؛ حيث أضاع في الصيف لبن الفوائد ، وفي الشتاء الذي