أحمد بن ابراهيم النقشبندي

71

شرح الحكم الغوثية

--> فإنه أبلغ من الطعن فيك ، فيشرع في توجيه ما أوجب للمعترض الإعراض ، ويبني لها من هذا الفعل من القبح والأمراض ، وربما شدّد عليه النكير ، وألزمه بالذهاب إلى المستغاب ، وطلب السماح ، وذكر ما صدر من التعريف أو التكبير ، وإذا أمعن نظره في ذلك وجدها دسّت دسيسة خفيّة المسالك ، وهي صيانة مجلسها من أن يقال : يستغاب عنده ، فلا يرد ويتكلم لديه بما لا يعني ، فلا يصد ، ويسمع فعله ذلك المستغاب ، فيمدحه ، ويشكر منه هذا الصنيع المستطاب . ومنها : أنه يسأله عن بعض معاصريه ، فيقول هو أخونا وصديقنا ، ولا تسمح أن يقول شيخنا ، ونقول له : الكذب لا يجوز ، وكيف تصفه بالمشيخة ولم يفدك فائدة ، ولا عادت لك منه عائدة ، وتنسيه بعض قول الأعيان : ينبغي للمريد الصادق أن يرى نفسه دون كل جليس ، وإذا شهد ذلك فقد اعترف بنقصه وكمال مجالسه ، وهناك يستفيد من كل مجالس . ولهذا قال بعض السادة وقد سئل عن أشياخه فقال : لا أحصيهم ؛ لأني ما جالست أحدا إلا واستفدت منه ، ومن أفادك بقاله أو حاله فهو شيخك . وإنما امتنعت من الإقرار بالمشيخة خوفا على منصبها في الرئاسة ؛ لئلا يستصغرها السائل ، فإذا تنبّه ردعها ، وزجرها ، وأقام عليه الدلائل ، ويقول لها : هل في قولك هذا أو تقبيلك يد هذا المسؤول عنه ما يوجب تصغيرك عند الرب ربّ الأواخر والأوائل ؟ ! وأذكر لها قول العارف الغارف الولي سيدي أبي الحسن الشاذلي قدّس اللّه سرّه ؛ فإنه كان يقول : من علم اليقين باللّه عزّ وجل وبما لك أن تتعاطى من الخلق ما لا تصغر به عند اللّه مما تكرهه النفوس الغوية ، كحمل متاعك من السوق ، وجمع الحطب للطعام ، وحمله على رأسك ، والمشي مع زوجتك إلى السوق في حاجة من حوائجها ، وركوبك خلفها على الحمار وغيره ، وأما ما تصغر به في أعين الناس مما للشرع عليه اعتراض فليس من علم اليقين ؛ فلا ينبغي لك ارتكابه . وكان رضي الله عنه يقول : إذا أهان اللّه عبدا كشف له عن حظوظ نفسه وستر عنه عبوديته ؛ فهو يتقلب في شهواته حتى يهلك ولا يشعر . وكان رضي الله عنه يقول : إذا انتصر الفقير لنفسه فأجاب عنها فهو والتراب سواء لا قدر له عند أهل الشأن ، ومن شان له بذلك فما يعاب بل يعاب ؛ ليذهب عن قلب المجيب ما يغان . وكان رضي الله عنه يقول : العارف باللّه تعالى لا تنقصه حظوظ نفسه ؛ لأنه باللّه فيما يأخذ وفيما يقول ، إلا إذا كانت الحظوظ معاصي اللّه . ومن قبيح دسائسها أنها تذكر لصاحبها ما جاء في فضل السماحة والكرامة ، وتحسن له الجود