أحمد بن ابراهيم النقشبندي
69
شرح الحكم الغوثية
فالكرامة عند العامة : خرق العوائد ، من المشي على الماء ، والطيران في الهواء . وعند الخاصة : بتبديل الصفات الذميمة بالصفات الحميدة . فلذلك قال بعض العارفين : ليس الشأن أن تطوى لك المسافة البعيدة ؛ فتكون في مكة أو نحوها ؛ وإنما الشأن أن تطوى عنك صفات نفسك فتكون عند ربك . اخرج عن أوصاف بشريتك ، عن كل وصف مناقض لعبوديتك ؛ لتكون لنداء الحق مجيبا ، ومن حضرته قريبا ، فأول قرب العبد من ربه ألّا يرى لنفسه قربا ، فهو من عين البعد ؛ لأن رؤية النفس تنبت من الرضا عن النفس ، وعن رؤيتها وإثباتها ، وذلك ينافي الفناء الذي هو الطريق ، فأخرج عنك تصل ، وافن عن أوصافك تضمحل . العلامة الثانية : النظر إلى أحوالك بعين الدعوى ، وما أحسن ما قال صاحب الحكم العطائية في مناجاته : من كانت محاسنه مساوئ فكيف لا تكون مساوئه مساوئ ، ومن كانت حقائقه « 1 » دعاوي ، فكيف لا تكون دعاويه دعاوى ؟ والنظر إليها بهذه العين تنشأ من معرفة النفس ، ومن دسائسها « 2 » .
--> وحب المنزلة والخصوصية وشبه ذلك مما يأتي إن شاء اللّه في أوصاف البشرية . وعيوب الروح : تعلقها بالحظوظ الباطنية كطلب الكرامات والمقامات والقصور والحور وغير ذلك من الحرف . فتشوف المريد إلى شيء من ذلك كله قادح في عبوديته مانع له من القيام بحقوق ربوبيته ، فاشتغاله بالبحث عن عيوبه النفسانية والقلبية والروحانية وسعيه في التطهير من جميع ذلك أولى من تشوفه إلى ما حجب عنه من علم الغيوب . ( 1 ) حرفت في الأصل إلى ( معايبه ) . ( 2 ) قال سيدي مصطفى البكري في العرائس القدسية في معرفة الدسائس النفسية ما نصه : مطلب في دسائس النفس : اعلم أن دسائس النفس لا تحدّ ولا يمكن أن تعدّ ، وقد ألّف الشيخ الأكبر أبو بكر الموصلي رحمه اللّه في دسائسها رسالة نافعة لدرن تلك الخسائس غسّالة ، ونبّه أكابر أهل الطريق على بعضها ؛ ليطلق منها الوثيق ، ويتنبه الغافل الخائض في بحار التعويق التي أمسى بها يتخبطه الشيطان من المسّ ، فأصبح كالغريق ، فمن ذلك أنها تنصح أجنابها ، وتمنح الفوائد أصحابها ، وتنبّههم على الهلكات المتلفات وعدم التعلق بالآلات أو بما فات ، وتأمرهم بالاشتغال بما