أحمد بن ابراهيم النقشبندي

31

شرح الحكم الغوثية

مدين ، ففزعوا إليه ، وأتوه لما يعلمون من تحقيقه وتدقيقه في المعارف والعلوم ، فدخلوا عليه وكانوا قبل ذلك يحلّ لهم ما أشكل عليهم من مثل هذا ، فوجده في مجلسه وهو يتكلّم على رسالة القشيري . فلما استقر بهم المجلس عدل عما كان فيه من القراءة ، قال لهم : هل أتيتم لما أشكل عليكم من ظاهر الحديث ؟ فعلموا أنه كاشفهم ، فقالوا له : نعم . قال : إنما أراد صلى اللّه عليه وسلم أن المؤمن إذا مات أعطاه اللّه نصف ما كان كتب له في اللوح المحفوظ من جنته التي أعدّها له في دار الخلود ؛ بأن يكشف له عن مقعده في الجنة ؛ ليتنعّم بذلك ، وتقرّ عينه ، فيتنعّم برؤية مقامه حتى إذا كان يوم القيامة ، وحشر الناس ، ونصب الميزان ، ووقع الحساب ، أعطي النصف الآخر وكمل له ما قدّر له في الأزل . قلت : ويصح أن يعاين عند موته الجنة التي أعدّت له كما روي : « ما من عبد إلا وله منزلان : منزل في الجنّة ، ومنزل في النّار ، فإذا كان يوم القيامة أخذ الكافر منزله الذي في النار ، وتولّى هو منزله الذي في الجنّة » « 1 » . كما قال عزّ وجل : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 80 ] ، فكان له بالنسبة النصف بموته ، والنصف الآخر حين استقرار كل أحد فيما أعد اللّه له من الكرامات والإحسان ، قال عزّ وجل : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] . وعبّر لهم الشيخ على الجملة من غير تفصيل ، ويدل عليه أيضا ما في بعض أحاديث سؤال الملكين للعبد : « وأن المؤمن يفتحان له بابا إلى النار حتى يرى مقعده ، ويقولان له : هذا مقعدك لو أسأت لكنك أحسنت ، وأسعدك اللّه ! ها منزلك ، فيكشفان له عن الجنة ، وما أعدّ اللّه له فيها ، ويفرشان له من ريحانها وسندسها ، ويقولان له : نم نومة العروس التي لا يوقظها إلا أحبّ الناس إليها . وأما الكافر والمنافق فيفتحان له بابا في الجنة حتى يرى ما فيها ، فيقولان له : هذا منزلك ، لو أنك أحسنت لكن لما كنت في ديوان الأشقياءها دارك ، فيكشفان له عن نار لا

--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في الإصابة ( 2 / 284 ) ، ( 2 / 68 ) بنحوه .