أحمد بن ابراهيم النقشبندي

277

شرح الحكم الغوثية

138 - سئل عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أرحنا بها يا بلال « 1 » » ؟ قال : من ثقل الغيبة عنه . حقيقة الصلاة حقيقة لا إله إلّا اللّه ، وهو الإعراض عن السوى ، والإقبال على المولى ، فالمصلي يعرض عن الأكوان ، ويستقيم في مقام الإحسان ، ويفنى بركوعه في عظمة ذي الجلال والإكرام ، فيزداد فناء وقربا بسجوده حتى ينعدم ، كأنه ما كان ، ومثل هذه الصلوات تعطيك أرفع الحضور ، وتملأ قلب المصلي فرحا ، وتعمره بكل سرور ، وتذيل عنه كل ثقل كان فيه ، حاصل عن الغيبة عن مثل هذا الحضور ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « أرحنا بها يا بلال » ؛ ليوقظه فيتهيأ لنيل هذه الحبور ، كما قال أحد العارفين رضي الله عنه : إذا أردت أن يكلمك اللّه فاقرأ القرآن بالتدبير ، وإن أردت أن تكلم اللّه فادخل الصلاة بالحضور ؛ لأن الصلاة محل للحضور والمشاهدة ، وبها يصل العارف إلى معراجه ، ومقام قربه ، وينال فيها كل فائدة . فاسترح أيّها الأخ من همومك وغمومك بدخول مثل هذه الصلاة ، وعض بالنواجذ على متابعته صلى اللّه عليه وسلم تكن من عبيد اللّه . 139 - لا طريق أوصل إلى الحق إلا من متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أحكامه . لأن بمتابعته صلى اللّه عليه وسلم يصل الإنسان إلى مقام المحبّة ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ستفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة ، كلها في النار إلّا واحدة ، قيل : ومن هم يا رسول اللّه ؟ فقال : الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي « 2 » » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه متبعا لما جئت به « 3 » » ، فدلّ الكتاب والسّنة على أن الطريق الموصل إلى الحق سبحانه وتعالى هو متابعته صلى اللّه عليه وسلم في الأفعال والأحوال ، ومن لم يكن كذلك فهو بمعزل عن المؤمنين من أهل الاعتدال ، فضلا عن العارفين والواصلين من أهل الكمال ، وكذلك قال صلى اللّه عليه وسلم لذلك الذي قال له :

--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 4 / 296 ) . ( 2 ) رواه أبو عاصم في سننه ( 1 / 7 ) ، وأحمد في مسنده ( 4 / 102 ) . ( 3 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 111 ) ، والطبراني في مسند الشاميين ( 2 / 31 ) .