أحمد بن ابراهيم النقشبندي

276

شرح الحكم الغوثية

التوحيد ، وشهود كل ذلك من الربّ المجيد ، يستمع من مولاه ذلك ، ويبلغ عنه ما سمعه من سيده المالك ، فتصير هذه المقالات منه عين العبودية ، وكلما ينشأ عنها من المحاكمات فضيلة ، وسيف يقطع بها جدال كل نفس أبية ، كما وقع له صلى اللّه عليه وسلم في قضية المتباهلة مع النصارى ؛ لما توقفوا في الإذعان بأنه المخصوص بالرسالة ، وصاحب هذا الكمال الذي لا ينبغي أن يكون إلّا له ، فقال اللّه تعالى : فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ آل عمران : 61 ] ، فعجزوا عن المباهلة ، وأحجموا عن المحاكمة ؛ لما علموا من الهلاك المترتب على ذلك ، فكل من كان له مقام الوراثة المحمدية ، واستقام ورسخ وتمكن من الأحوال المصطفوية ، صحّت منه المحاكمات ، ولم يضره ذلك ؛ لخروجه عن النفس ، وتشرفه بكمال الاستقامة التي هي أعظم المكرمات . فاستقم أيّها الأخ ، وعض بالنواجذ على الاستقامة ، وتخلّق بأخلاقه صلى اللّه عليه وسلم ، لا سيما في ترك الدنيا ، فإن ذلك أعظم الكرامة واللّه أعلم . 137 - ترك الدنيا أيسر ممن أخذها لها « 1 » . لأن في تركها السلامة من حسابها ، والبعد عن مخالطة أربابها ، وفي أخذها لها آفات ، ومتى يصفو لصاحبها مع مولاه المعاملات ، وهل يمكن أحد أن يمشي على الماء ، ولا يبتلي قدمه ، كذلك صاحب الدنيا لا يمكنه أن يخوض فيها إلّا وتطول حسرته ، ويكثر ندمه ، لذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة « 2 » » . وقال للذي قال له : يا رسول اللّه دلني على عمل إذا عملته أحبّني اللّه ، وأحبّني الناس ، فقال له : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس « 3 » » . فاجتهد أيّها الأخ في البعد عنها ؛ لا يصيبك رأس كل خطيئة ، وازهد فيها ؛ كي يحبك اللّه ، فتصل إلى كل رتبة علية ، وتنال مقام الحضور ، ويذهب عنك نقل الغيبة عنه ، وتدخل صلاتك الحقيقية .

--> ( 1 ) في البيان والمزيد : ( ترك الدنيا للدنيا شر من أخذها ) . ( 2 ) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ( ص 300 ) ، والمناوي في الفيض ( 3 / 368 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه .