أحمد بن ابراهيم النقشبندي
260
شرح الحكم الغوثية
--> - وأمّا الفعل الذي يلي الوقوف بعرفة من أفعال الحج ، فهو النهوض بعد غيبوبة الشمس وما يفعل بما تركناه لكونك لم تسأل عنه ، ومن الناس من يريد جوابه أن يكتب مطابقا ولا يكون زائدا ولا ناقصا ولا معدولا ، ولعلك كذلك ، والحكيم ينظر في المصالح النافعة المدبرة المفيدة وبحسب الحق والمحق الواقع في الوجوه بعد إذا لم يجد ذلك من جهة المخاطب القريب ، وهذا أجل وأكمل بكثير من الأول ، والأول يصرف في الجدل ، وفي بعض العلوم النظرية قال له أول الوجه الأول لا حاجة لي بعد ذلك ، وانصرف وسلم بعد ما علم ، واعترض الرجل المتوسط في ذلك الوجه عليهم فقال له : لأي شيء أنت أكبر ولم يظهر بماذا ، وهذا الاسم لن يصح لك إلا على الزيادة ، وبعد لم تظهر فافتح ما وراء العادة ، وحرز طريق السعادة وما يحمد من العبادة وأنّا نؤمن بجميع ما تذكر ونغتبط ، قال : الإسعاف سيرتي ، والإنصاف شرف سريرتي . اعلم أن هذا اليوم وهذا الموضع وهذا الوقت وهذه النية في هذه العبادة من هذا العابد استدعاء ما في القوة من الكمالات ، وما من أجله وجد التكليف لكي يبصر داخل الذهن ، أو يحرر من عالم الملكوت ويحصل للنفس حضورها المنسوب إلى ضمير المكلف حتى يطلع على الأرواح المفارقة ويتوجه إليها ، ويثبت بالآنية بعد ما طاف حول الهوية ، ويستروح نفحات القرب ، ويرسل قصده بالتذلل إلى الجلال المبصر بالماهية المضافة ، وهي هي بعد ما كانت تظهر على مظاهر خفية ، فيلحظها الذهن ويهرول ، ثم يغيب عنه فيسكن ، ويجتمع بعد ما كان قد تبدد في الأفعال ، ويعامل المقصود بالمباشرة الخبرية ، ويقيده بحقيقة الكنه المشترك ، وينظر نكتته التي تكفيه مرض العادة ، ولا يمكن معها الطلب على الأول ؛ لأن تلك الذنوب كانت تقال على الهوية المبعدة بالمغايرة ، قال له المتوسط المذكور : قد أخذت قصدي فكف عني ما وراء ذلك ، فإن المؤمن لا يصلح به أكثر من ذلك إذا كان من المحسنين فالقوة والقصد والاستعداد . قال له : هو الكلام على العموم من جهة المضاف فقط ، وهو بحسب الرجال ، ومن حيث المراتب ، وها أنا نخبر أخر ذلك على الوجه بذلك كله ، ونحسن إليه فإنه في مقام الإحسان ، وقال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . فنقول : يوم عرفة هو اتصال النسب ، وقطع لواحق السبب والخروج عن ذل الأغراض المهلكة ، والدخول في العالم الأعلى بالجوهر ، ومشاهدة أول علامات الحد ، والتعرض إلى نفحات خيرات المطلع حتى يبصر أو ينبصر أعني : يبصر بالجوهر المعني المقوم لوجوده ، أو يعلم ذلك -