أحمد بن ابراهيم النقشبندي
248
شرح الحكم الغوثية
وقال اللّه تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [ الزخرف : 32 ] . ومن تأمّل كتاب اللّه عزّ وجل وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم علم أن الأمور مقسومة ، فاطمأن قلبه واستراح ، وآيس مما في أيدي الناس ، وأقبل بقلبه على مولاه في المساء والصباح . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : لو أقسمت على اللّه بالنبيين والصديقين أن ينقصك ذرة مما قسم لك ما فعل . فمن تأمّل يا أخي بقلبه هذا الكلام شرب من صافي كؤوس رحيق اليأس فظفر بكل مرام . قوله : ( والزّهد عافية ) ؛ إذ حقيقة الزّهد ترك الفضول ، ومن ترك الفضول تعافى قلبه من مرض العلائق ، وصلح أن يكون حضرة من حضرات الخالق ؛ إذ لا مرض أقوى من الاشتغال بعلائق الأغيار ، ولا صحة أتم من صحة الحضور والاشتغال بصحبة العزيز الغفار . قوله : ( والغيبة عن الحق خيبة ) وأي خيبة أدهى من الجحيم العاجلة لأهل الغفلات ، والعذاب الحاضر لأهل البعد من ذي الحضرات . قال أبو يزيد رضي الله عنه : رأيت أشد ما يعذبني به اللّه ، فلم أر أشد من الغفلة . وقال في الحكم العطائية : النعيم وإن تنوعت مظاهره إنما هو بشهوده واقترابه ، والعذاب وإن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه ، فسبب العذاب وجود الحجاب ، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم « 1 » .
--> ( 1 ) قال الشيخ ابن عجيبة : نعيم الروح وعذابها إنما هو بشهود ربها واحتجابها ، وذلك بعد تخلصها من عالم الأشباح ، وترقيها إلى عالم الأرواح ، فيكون حينئذ نعيمها روح الوصال وريحان الجمال ، وعذابها احتجابها عن شهود ذلك الجمال ، وبعدها عن الكبير المتعال ، وهذا الأمر حاصل في دار الدوام لجميع الأنام ، لأنه تميز الحق من الباطل ، وعرف كل واحد مثواه ومستقره ، فأهل الجنان أحسوا بالرضا والرضوان ، فهم عالمون بقرب الحق منهم ورضاه عنهم ، لكنهم متفاوتون في العلم ، فمنهم من يعلم من وراء الرداء ، ومنهم من يعرف داخل الرداء . وفي البخاري : « وما بين الناس وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » . -