أحمد بن ابراهيم النقشبندي

249

شرح الحكم الغوثية

--> - ولا يفهم هذا الرداء إلا أهل الأذواق ، وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد القهار ، فتضاعف عذابهم في دار البوار . ولو أن الحق تعالى تجلى لهم بصفة جماله لأنساهم ذلك اليوم عذابه ، ولو أنه تعالى احتجب عن أهل الجنة لضاق عليهم فسيح الجنان ، ولا نقلب نعيمهم نقمة وعذابا ، أما من كان في دار الدنيا عارفا فلا يحتجب الحق تعالى عنه ، كما شهده هنا بوسائط أنواره بشهده ثم بلطائف أسراره ، بل ثمّ أولى لغلبة المعنى على الحس ، والقدرة على الحكمة ، وأما من كان هنا محجوبا فهو ثمّ أيضا محجوب ، قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] ، وللآية تفسيران ظاهر وباطن ، لكن في دار البقاء يرق الحجاب لرقة الأبدان ولطافتها ، فلذلك صار نعيمهم لا يكمل إلا بشهود القرب ، فإذا فقدوه تنغص نعيمهم لأن في تلك الدار صار الحكم للأرواح ، وفي هذه لدار الحكم للأشباح ، إلا من ترقى هنا إلى عالم الأرواح فهو من أهل الجنة فنعميه نعيم الأرواح ، وهو روح الوصال وشهود الكمال ، فنعيمه بشهود اقترابه ورضوانه ، فلو زال عنهم شهود القرب أو انقطع عنهم مدد الرضوان لضاق عليهم فسيح الجنان . وأما نعيم الأشباح وعذابها : أعني من كان محجوبا بها فإنما هو لموافقة ما يلائم طبعه أو مخالفته ، فإذا جاء ما يلائمه من صحة وعافية وجمال حسي فهو في حقه نعيم ، وإذا جاء ما يخالف طبعه من وجع أو فقد أو منع أو فتنة فهو عذاب في حقه إذ لاحظ له في لذة القرب ومرارة البعد ، فإنما حظه من النعيم نعيم البهائم ، نعم لو قدرنا أن العادة تخرق له ويتجلى الحق تعالى له في حال عذابه الحسي بصفة جماله لنسي ذلك العذاب . والحاصل : أن كلام الشيخ إنما هو في حق أهل القرب أو الشهود بحيث يجد لذة القرب وحلاوة الشهود ، ويحس بمرارة البعد وضيق الحجاب في هذه الدار وفي تلك الدار ، هذا ما ظهر لي ، وهذا الذي ذكره الشيخ مذوق عند أرباب العشق ، فكم من عاشق ضرب بمحضر محبوبه فلم يحس بألم الضرب ، فلما غاب عنه تضرع واستغاث ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : لما حضر من كنت أضرب من أجله غبت عن ألم الضرب ، فلما غاب عني وجدت ألمه . قلت : ولهذا المعنى استلذ العارفون الفاقات ، وأنواع التعرفات ، وضروب البليات لما ذاقوا في ذلك من إقبال محبوبهم ، ورضا مشهودهم . كان بعض الصحابة رضي اللّه عنهم يقول : ألا حبذا المكروهات الثلاث : الفقر والمرض والموت : أي ما أحبهم لي وأعزهم ، وكانت زوجة بلال تصيح عند موته : واكرباه ، فيقول هو : -