أحمد بن ابراهيم النقشبندي

241

شرح الحكم الغوثية

ميدانه واسع ، فإذا رأيته في حالة من الأحوال التي لا ترتضيها لنفسك فارتضها له ، وأول حاله له ، وحسن فيه الظن ، وأدخله في سعة ميدان العلم ، فإذا رأيت أحدا في دنيا واسعة فضل لعله أخذها من وجه حلال ، وأدّى حقوقها ، وعامل مولاه فيها معاملة لا تجدها أنت في صلاتك ولا صيامك ، وكم فرّج كربة مكروب بها ؟ وإذا رأيته في صلاة وصيام فاعتقد أنه مخلص في معاملته ، موجه في مشاهدته ، وهكذا لا تشهد سائر أقواله وأفعاله وأحواله إلّا بالكمال ، خلاف ما كنت تعامل به نفسك ، فتكون حائزا للفضيلتين فضيلة حسن الظّن ، وفضيلة اتهام النفس ، وأنت قرير العين ، فإذا فعلت ذلك حزت من المروءة أمورا جمّة ، وكانت لك في المعالي همة : أي همة مروءتك إغضاؤك عن تقصير غيرك ، المروءة من حسن الخلق ، وحسن الخلق كما ورد : أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعف عمن ظلمك ، ومن لازم ذلك الإغضاء وغض عن تقصير الغير ، وشهود ذلك بعين الرضا معاملته بكل خير . قال صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق ، قال : وما حسن الخلق يا رسول اللّه ؟ قال : أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرني ربي بتسع : خشية اللّه في السر والعلانية ، والقول بالحق في الرضا والسخط ، والقصد في الغنى والفقر ، وأن أصل من قطعني ، وأعطي من حرمني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأن يكون صمتي فكرا ، ونطقي ذكرا ، ونظري عبرة ، وأمر بالمعروف » « 2 » . فذكر صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث جهود محاسن الأخلاق ، وجعل واسطة عقدها أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، الذي هو حقيقة المروءة ؛ إذ لولا الإغضاء عن تقصير الغير لما أمكن ذلك ، ولم يسأل على النفس تحل ما هنالك ، وهذا العقل ينشأ من التحقق بلب التوحيد ، والرسوخ في مقام التغريد ، ولا يتم كمال السالك إلّا بذلك . فإذا أردت أيّها الأخ شمة من هذا المقام ، فعليك بإيثار الحلف على نفسك تعرفه ، وتكون شاكرا له ، مستوجبا للأنعام .

--> ( 1 ) رواه أبو يعلي في مسنده ( 6 / 53 ) عن أبي ذر . ( 2 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 7 / 346 ) بنحوه .