أحمد بن ابراهيم النقشبندي

242

شرح الحكم الغوثية

117 - ما عرف الحق من لم يؤثره ، وما أطاعه من لم يشكره . إذ من عرفه علم أنه أعز من سمعه وبصره ، ومن قلبه وقالبه ، وسائر صوره ؛ إذ الكل بوجوده ، وجميع ما عندك من فضله وجوده ، فما من ذرة من النعم إلّا وهي حاصلة لك من جنابه ، ولا ثمّة من المعارف والعلوم إلّا وهي منصبة عليك من مزنه وسحابه ، وكل ما تنتفع به من الحواس ، وجميع الأهل والناس ، يمكن ألّا يفارقك ، ويبعد عنك . وأما هو سبحانه وتعالى فلا انفكاك لك عنه ؛ إذ ليس وجودك إلّا بوجوده ، ولا فضلك وقوتك إلّا بفضله وجوده ، فكيف تؤثر عليه إذا عرفته هذه المعرفة سواه ، أم كيف تقبل على غيره فكيف تتهالك في تحصيل رضاه ، وكيف لا تشكره ببذل جميع جوارحك في خدمته ؛ لتتم لك الطاعة ، وتستقيم في عبوديته ، وكيف لا تتقو نفائس الأوقات في ذكره . وكيف لا تضطرب وتلتذ حيث وفّقك ، وجعل قلبك مقبلا عليه بذكره ، فإذا عرفت ذلك فأخرج عن حولك وقوتك ، وانطرح بين يديه ، واترك اختيارك وتدبيرك بطيب عيشك ، وتكون مقنعا بما يأتيك من لديه من ترك التدبير والاختيار ، طاب عيشه من ترك تدبيره ، دخل في تدبير واختيار مولاه ، وطاب عيشه ، وحفظه الحق ورعاه بعين علياته ، وتولّاه وجمع له هموم قلبه ، وجعلها همّا واحدا ، لا يقصد إلّا مولاه ، ولا ينيخ مطايا حاجاته إلّا بساحة حماه ؛ إذ الخروج عن الاختيار والتدبير عين الغنى ، وهو عين الوصول إلى غاية السؤال والمنى ؛ إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها وصلتك ، وإنما بعدك من رجوعك إلى أوصافك وسكونك إليها ، وشهودك نفعها ، واعتمادك عليها ، فمتى انفصلت منها وصلت إليه ، وذقت جنة العارفين عاجلا ، وصرت بين يديه ، فما أطيبها جنة فيها ما تشتهي الأنفس ، وتلذ الأعين ، وما أعظمها منزلة بها تطيب القلوب ، وتنشرح الصدور ، وتنطلق الألسن . فإذا أردت أيّها الأخ الخلود في هذه الجنان ، فعليك بالإخلاص في الأعمال ، واستعن على ذلك بالإخفاء والكتمان .