أحمد بن ابراهيم النقشبندي

240

شرح الحكم الغوثية

116 - من ضيّع حقوق إخوانه ابتلى بتضييع حقوق اللّه . يعني إذا وصلت مقام الجمع ، وتحليت بخلع إحسانه ، فلا تلبس مقام الفرق ، والبس خلع حقوقه ، وتزيّن بلؤلؤه ومرجانه ، ومن أهم ذلك حفظ حقوق الإخوان ، وإيّاك وتضييعها فتبتلي بتضييع حقوق الملك المنان . فالعارف من لا يحجبه جمعه عن فرقه ، ولا فرقه عن جمعه ، ولا صحوه عن سكره ، ولا سكره عن صحوه ، يعطي كل ذي حقّ حقه ، ويوفي كل مقام مستحقه ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجالس الناس ، ويتحدث معهم ، ويخالفهم كأنه واحد منهم ، يلاطف الصغير ، ويوقر الكبير ، ويمازح كلّا منهم ، يقول للصغير في بعض ممازحاته : « يا أبا عمير ما فعل النفير « 1 » » . ومع ذلك كله هو بائن عنهم بالجنات ، صاعد بروحه وسره في أعلى غرفات الإحسان ، يقول ويخبر عن منزله العظيم الشأن : لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، وهكذا شأن العارف ، ظاهره مع الخلق كأنه واحد منهم ، وباطنه مع الحق كأنه لا يعرف واحدا منهم ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] ، متحققون بحقيقة لا إله إلّا اللّه ، محمد رسول اللّه ، ينفقون من كنز : ( لا حول ولا قوة إلّا باللّه ) ، قد قيّدوا أنفسهم بقيود الورع ، وأطلقوا غيرهم من ميدان العلم ، فصار له أوسع مرتع ومربع . قيّد نفسك بقيود الورع ، وأطلق غيرك من ميدان العلم ، قيّد نفسك بقيود الورع وضيّق عليها ، وامنعها من تناول الشبهات وأحوالها عليها ، واتهمها في سائر أحوالها ، وانظرها بعين الرياء في سائر أقوالها وأفعالها ، كان بعضهم يصلي ألف ركعة ، ثم يقبل على نفسه ويقول لها : يا أمارتي بالسوء ، فو اللّه ما أرضاك له ساعة واحدة ، وكلما ازداد الإنسان بنفسه معرفة ازداد ما لها ، وكلما اتهمها أكثر كانت أعماله وأحواله إلى القبول أقرب ؛ لأن أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ، هذا كله بالنسبة إلى نفسك ، وأما غيرك فأطلقه من ميدان العلم : أي لا تقيّده ووسّع عليه من حيث العلم ؛ لأن

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2270 ) .