أحمد بن ابراهيم النقشبندي
214
شرح الحكم الغوثية
انكشفت له الأنوار ، وظهرت له الغامات ، وانخرقت له العادات ، فيقف حينئذ عندها وبهواها ، وربما ذاتها المقصد ، فينبغي ربها سيدها ومولاها ، وهذه من أعظم الآفات للسالكين ، ولا يسلم منها إلّا من وقف ، وحلت عليه العناية بمصاحبة حينئذ العارفين . وما أحسن ما قاله ابن الفارض رضي الله عنه : قال لي حسن كلّ شيء تجلّى : * بي تملّى ! فقلت : قصدي وراكا وقال في الحكم العطائية : ما أرادت همّة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة ، الذي تطلب أمامك ، ولا تبرّجت ظواهر المكوّنات إلا ونادته حقائقها : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [ البقرة : 102 ] « 1 » .
--> ( 1 ) قال صاحب إيقاظ الهمم : همة السالك : هي القوة الباعثة له على السير ، ووقوفها مع الشيء هو اعتقادها أن ما وصلت إليه هو الغاية أو فيه كفاية . وهواتف الحقيقة : هي لسان حال الكشف عن عين التحقيق ، وتبرج الشيء ظهوره في حال الزينة لقصد الإمالة . وظواهر المكونات : هو ما كساها من الحسن والحكمة ، وتزيّنها هو خرق عوائدها له ، وانقيادها لحكمه ، وحقائقها نورها الباطني وهو تجلي المعنى فيها . قلت : السالك هو الذي يشهد الأثر ، فإن كان يشهده في نفسه فهو سالك فقط ، وهو في حالة السير ، وإن كان يشهده باللّه فهو سالك مجذوب . والمقامات التي يقطعها ثلاث : فناء في الأفعال وفناء في الصفات وفناء في الذات ، أو تقول : فناء في الاسم وفناء في الذات وفناء في الفناء ، وهو مقام البقاء ثم الترقي إلى ما لا نهاية له ، فإذا كشف للسالك عن سر توحيد الأفعال ، وذاق حلاوته وأرادت همته أن تقف مع ذلك المقام نادته هواتف حقيقة الفناء ، في الصفات الذي تطلب أمامك ، وإذا ترقى إلى مقام الفناء في الصفات ، وكشف له عن سر توحيد الصفات واستشرف على الفناء في الذات وأرادت همته أن تقف مع ذلك المقام ، نادته هواتف حقيقة الفناء في الذات الذي تطلب أمامك ، وإذا ترقى إلى الفناء في الذات ، وكشف له عن سر توحيد الذات ، وأرادت همته أن تقف مع ذلك المقام نادته هواتف حقيقة فناء الفناء ، أو حقيقة البقاء الذي تطلب أمامك ، وإذا وصل إلى البقاء نادته هواتف العلوم الغيبية وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وقد قال عليه السلام : -