أحمد بن ابراهيم النقشبندي
215
شرح الحكم الغوثية
والحاصل أن كل شيء نظر إليه السالك في طريقه ، ومال إليه كان من جملة هواه ، ومعوقا عن الوصول إلى حضرة اللّه ، كما قال اللّه تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
--> - « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . أو تقول : إذا كشف للمريد عن الفناء في الاسم وذاق حلاوة العمل ، والذكر وأرادت همته أن تقف معها ، نادته هواتف حقائق الفناء في الذات الذي تطلب أمامك ، فإذا ترقى إلى مقام الفناء في الذات وذاق حلاوته ، ولم يتمكن وقنع بذلك ، وأرادت همته أن تقف مع ذلك ، نادته هواتف حقيقة التمكين الذي تطلب أمامك ، وإذا تمكن ولم يطلب زيادة الترقي نادته هواتف الترقي الذي تطلب أمامك ، وهكذا كل مقام ينادي على ما قبله : يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ [ الأحزاب : 13 ] ، وإذا « تبرجت » أي ظهرت بزينتها وحللها للسالك أو للعارف ظواهر المكونات بخرق عوائدها ، وانقيادها له وتصرفه فيها بهمته ، كالمشي على الماء والطيران في الهواء ونبع الماء وجلب الطعام وغير ذلك من الكرامات الحسية ، وأرادت همة السالك أن تقف مع ظواهرها ، وتشتغل بحلاوة حسها ، نادته هواتف المعاني الباطنة : إنما نحن فتنة لك نختبرك ، هل تقنع بها دون معرفة مالكها ومنشئها المتجلي فيها ؟ أو تعرض عنها وتنفذ إلى نور معانيها وشهود مالكها ومجريها ؟ لا تكفر وتجحد المتجلي بها ، فتنكره فتكون من الجاهلين . وقد ضرب الساحلي في البغية مثلا لهذه المقامات والسير فيها ، فقال مثل ذلك كملك ظهر بالمشرق مثلا وأرسل لنا رسلا بكتاب من عنده ، فقرءوا علينا كتاب الملك ، وشوقونا إليه غاية التشويق بذكر كرمه ومحاسنه ، فمن الناس من أعرض عن طاعته ، والانقياد إليه وهم الكفار ، ومن الناس من قبل وآمن ولم يقدر على النهوض إلى حضرة الملك ، وهم عوام المسلمين ضعفاء المحبة واليقين ، ومن الناس من تشوق للملك ونهض إلى حضرته ، فقالت له الرسل : نحن نسيرك ونعرفك الطريق فتقدموا أمامهم يسيرون بهم ، ثم إن الملك بنى ديارا ومنازل ينزلونها كل منزل أعظم من الذي قبله ، هكذا إلى حضرته ، فإذا نزلوا أول المنازل ورأوا حسنه وبهجته ، أرادوا أن يقيموا فيه ، فتقول لهم الرسل الذين جاءوا من عند الملك الذي تطلبون أمامكم ، فينهضونهم من ذلك المنزل ، فإذا نزلوا الثاني وجدوه أعظم من الأول ، فيريدون أن يقيموا فيه ، فترحلهم الرسل إلى ما بعده ، وهكذا يقطعون بهم المنازل منزلا منزلا ، حتى يوقفونهم على الملك ، فيقولون لهم : ها أنتم وربكم ، فيستريحون من التعب ويتمتعون بالمجالسة والنظر . والمراد بالرسل هنا الأنبياء الذين بعثهم اللّه وخلفاؤهم ممن كان على قدمهم ، ممن جمع بين الحقيقة والشريعة ، وهذه المنازل هي المقامات التي يقطعها المريد انتهى بالمعنى مع الاختصار لطول العهد به . واعلم أن هذه الآداب التي ذكرها الشيخ في هذا الباب قد تكون خاصة بالعارف ، وقد يشاركه فيها غيره ، فلذلك يعبر بعبارة واسعة لتكون عامة لأن المريد قد يترقى إلى مقام وقد بقيت عليه بقية مما قبله فيكملها فيه واللّه تعالى أعلم .