أحمد بن ابراهيم النقشبندي
20
شرح الحكم الغوثية
منع القرآن بوعده ووعيده * مقل العيون بليلها أن تهجعا فهموا عن المولى الجليل كلامه * فرقابهم ذلت إليه خضّعا ويحكى عنه رضي الله عنه فيما نقله جماعة من العلماء ك ابن الخطيب ، وأبي الصبر ، والعزفي وابن الزيات . قال رضي الله عنه : جاءني رجل من الصالحين ، فقال لي : رأيت البارحة في النوم حلقة عظيمة لجماعة من الصوفية فيهم ؛ أبو يزيد البسطامي ، وذا النون المصري ، وغيرهما من المشايخ ؛ وهم على منابر من النور . وأبو طالب المكي على منبر عال ، وأبو حامد الغزالي على منبر يقابله ، وأبو طالب يسأل أولئك الصوفية وكل واحد يجيبه على قدر علمه . فقال أبو طالب لأبي حامد : أين غابت هذه العلوم التي يصرفها أبو مدين في دار الدنيا ؟ فقال له أبو حامد : ها هو ذا عن يمينك فاسأله ، فالتفت إليه أبو طالب ، فقال له : يا أبا مدين ! أخبرني عن سر حياتك ؟ فقال له : بسر حياته ظهرت حياتي ، وبنور صفاته استنارت صفاتي ، وبنور أسمائه استنارت أوصافي ، وبديموميته دامت مملكتي ، وفي توحيده أفنيت همتي . فسرّ التوحيد في قولنا : لا إله إلا أنا ، والوجود بأسره : حرف جاء لمعنى . فبالمعنى ظهرت الحروف ، وبأسمائه ائتلف كل مألوف ، وبصفاته ظهر كل موصوف ، ومراعاته له محكمة ، ومخلوقاته له مسلمة ؛ لأنه خالقها ومظهرها ومنه بدؤها وإليه مرجعها ؛ كما أظهرها يوم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . يا أبا طالب هذا لوجودك محرك ، وهو الناطق والممسك ، إن نظرت بالحقيقة تلاشت الخليقة ، فالوجود به قائم ، وأمره في مملكته دائم ، وحكمه في خلقه عام ؛ كحكم الأرواح في الأجسام ، به بانت على اختلاف أنواعها ؛ منها اللسان للبيان وهو عزّ وجل مع ذلك لا يشغله شأن عن شأن . فقال أبو طالب : من أين لك هذه العلوم يا أبا مدين ؟ قال له : لما أمدني بسره غرقت في واد من بحر فضله ، فامتلأ وجودي نورا ، وأثمر غيبة وحضورا ، وسقاني شرابا طهورا ، وأذهب ضلالا وزورا ، فغشيت أنواره أخلاقي ، فعسى في القيامة أن أنظر الباقي بالباقي ، قلت : إنما قال أبو طالب لأبي حامد : أين أبو مدين والعلوم التي