الشيخ البهائي العاملي
242
الكشكول
منه رجاء . وآخر لا يزرع زرعا ولا يعمل يوما ، قد ذهب ونام وأغفل سنة فإذا جاء وقت البيادر يقول أرجو أن يحصل لي مائة قفيز ، فقال من أين لك هذه الأمنية التي لا أصل لها ؟ ! فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة اللّه تعالى وانتهى عن معاصيه يقول : أرجو أن يتقبل اللّه هذا اليسير ، ويتم هذا التقصير ويعظم الثواب ، فهذا رجاء منه ، وأما إذا غفل وترك الطّاعات وارتكب المعاصي ، ولم يبال بسخط اللّه ورضاه ، ووعده وعيده . ثم أخذ يقول : أرجو من اللّه الجنة والنجاة من النار ، فذلك منه أمنية لا حاصل لها وسماها رجاء وحسن ظن ، خطأ منه وجهلا . قال بعضهم : رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد ، فقلت يرحمك اللّه إنّ رحمة اللّه واسعة ، فغضب وقال : هل رأيت ما يدل على القنوط ؟ إنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين ، فأبكاني واللّه كلامه . ولينظر العاقل إلى حال الرسل والأبدال والأولياء واجتهادهم في الطّاعات ، وصرفهم العمر في العبادات لا يفترون عنها ليلا ولا نهارا ، أما كان لهم حسن باللّه ؟ ! بلى واللّه إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه وأحسن ظنا بجوده من كل ظان ، ولكن علموا أنّ ذلك بدون الجد والاجتهاد ، أمنية محضة ، وغرور بحت ، فأجهدوا أنفسهم في العبادة والطاعة ، ليتحقق لهم الرجاء الذي هو من أحسن البضاعة . قال بعض العارفين شعر : تشاغل قوم بدنياهم * وقوم تخلوا بمولاهم وألزمهم باب رضوانه * وعن ساير الخلق أغناهم كان بعض العارفين يقول : إنّي أعلم أنّ ما أعمله من الطّاعات غير مقبول عند اللّه تعالى فقيل كيف ذلك ؟ فقال : إني أعلم ما يحتاج إليه الفعل حتى يكون مقبولا ، وأعلم أنّي لست أقوم بذلك ، فعلمت أنّ أعمالي غير مقبولة . من كلام عبد اللّه بن المعتز وعد الدنيا إلى خلف وبقائها إلى تلف ، كم راقد في ظلها قد أيقظته وواثق بها قد خانته حتى انقطع عن علمه ، وأشرف على عمله . قد ركض الموت إلى حياته ونقص قوى حركاته وطمس البلى جمال بهجته ، وقطع نظام صورته ، وصار خطا من رماد تحت صفائح انضاد قد أسلمه الأحباب وافترشه التراب في بيت قد نجدته المعاول ، وفرشت فيه الجنادل ، ما زال مضطربا في أمله حتى استقر في أجله ومحت الأيام ذكره واعتادت الألحاظ فقده . لابن العفيف في الاقتباس من التصريف :